يبقى الدولار مميزاً

ما جرى في الولايات المتحدة في 6 - 1- 2021 محزن في دولة عرفت الديمقراطية منذ قرون ومارستها بجدارة ووعي، جمعت بين الحريات والقوة في الاقتصاد والعسكر والعلوم وغيرها. نعود إلى الماضي القريب ونتذكر كيف "أل غور" اعترف بالخسارة أمام جورج بوش في وقت كان من الممكن للفرز الكامل أن يحمله إلى البيت الأبيض. قال وقتها إنه خسر أو عمليا ينسحب لأن أمريكا أهم بكثير ممن يربح أو يخسر. عندما أعطت الإحصائيات فوز ترامب منذ 4 سنوات، اعترفت كلينتون في نفس اليوم بالخسارة الأولية وأعادت رسميا اعترافها في اليوم التالي أمام الشعب والمؤسسات والعالم. من يتابع الأوضاع في الولايات المتحدة لا يمكنه إلا أن يقلق على ما آلت إليه الأمور وهذا ما وضحه الرئيس بايدن في خطابه إلى الأمة في الذكرى الأولى لحادثة 6 - 1. الدولار يبقى مميزاً في الأسواق النقدية العالمية. الدولار قوي منذ زمن بعيد ولا نقصد هنا سعر الصرف، بل إن النقد الأمريكي جاذب للمواطن والشركة منذ عقود أقله منذ الحرب العالمية الثانية واتفاقية "بروتون وودز". الدولار جاذب منذ ذلك الحين للأفراد والشركات في الداخل الأمريكي وخارجه. اعتقد العالم أن اليورو الذي أسس منذ عشرين سنة سيكون المنافس الأساسي الكبير بل البديل للدولار، لكن هذا لم يتحقق بسبب الأوضاع في أوروبا وغياب السياسات المالية المشتركة ضمن الوحدة الأوروبية. هنالك من يعتقد أن "اليوان" سيكون البديل، لكن الصين ليست مؤهلة بعد للمنافسة لأسباب قانونية وتشريعية ومالية. ما هي أسباب قوة الدولار عبر الزمن والتاريخ؟ إن مرونة العملية السياسية أي الانتقال الهادئ في السلطة أو السلطات بين الخاسر والفائز أو بين الذي انتهت ولايته والقادم إلى السلطة هو سبب مهم مطمئن. قوة الدولار من قوة المؤسسات الأمريكية الفاعلة والمتمتعة في نفس الوقت بالحيوية التي لا مثيل لها. قوة الدولار تنبع من رغبة المستثمرين العالميين في شراء العقارات والأصول والأسهم وسندات الخزانة الأميركية وغيرها والتي توحي جميعها بالثقة في معظم الأوقات والظروف. ما زالت هذه الأصول مفضلة عالميا مقارنة بجميع الدول بما فيها دول أوروبا والصين واليابان. ما يدعو للعجب انه بعد أزمة 2008 أي "الركود الكبير" اعتقد العالم أجمع أن الدولار سينهار ولم يحصل ذلك لأن المؤسسات بقيت قوية وأوحت بالثقة. بعد الأزمة ارتفع سعر صرف الدولار لأن الطلب عليه بقي قويا ولم تخرج رؤوس الأموال من الولايات المتحدة كما توقع البعض بل تدفقت إليها رؤوس أموال جديدة. هنالك دول مهمة كاليابان ولمنع عملتها من الصعود في الأسواق لسبب التصدير اشترت دولارات وباعت الين مما سبب ارتفاعا في سعر الدولار عالميا. بعض الدول في أوروبا وخارجها فعلت الشيء نفسه أي اشترت الدولار لمنع ارتفاع عملاتها وضرب صادراتها. في الأزمات تبين للعالم أجمع، أن المستثمرين يلجأون إلى الأصول الآمنة وهذا هو دور الدولار والأصول المحررة به.