المعادن.. تنقيب مُستمِر

في جميع أعمالنا الروتينية وفي مُعظم أيامنا وساعاتنا نحتاج لأدوات وآلات تساعدنا ولو دون أن نشعر بإنجاز مهام كثيرة نعبُرها في جدول ساعات يومنا الطويل، فإما ان يكون المطلوب هو توفير الجهد والتعب الجسماني لعبور واجبات أعمالنا اليومية بأقل تعب مُمكن، أو قد يكون المطلوب من هذه المعدات والآلات اختصار الوقت لتنفيذ المهام الموكلة إلينا بسرعة ودقة، فها هو الحاسوب (الكومبيوتر) وها هي الآلة الحاسبة تسابق الوقت وتجعل يومنا العادي يوما طويل يتخطى حدود ال 24 ساعة في انجاز الأعمال المكتبية والتي باتت إجراء روتينيا سريعا لا يحتاج إلا لكبسة زِر، كل مبنى ندخله وكل وسيلة نقل نستقلُها، كل قاعات الاجتماعات والمباني الشاهقة ومفروشات منازلنا وديكوراتها تضم بين ثناياها على الأقل معدن واحد، هذا الانتشار الكبير والاستخدام في الصناعة والإنتاج، وهذه الميزات المهمة جعلت من هذه المعادن مِحور الصناعة والشرط الأساسي لنجاحها، وهي أيضا ما جعلتنا ننظر حولنا بنظرة بحث مُستمِرة عنها، وهنا يأتي السؤال المُهم، فما هي المعادن وما هي أهميتها وأهم أنواعها؟ وكيف يتم الحصول عليها؟ وكم كانت كميات انتاجها للعام السابق 2021؟ أولا وقبل كل شيء فإنه يُمكن تعريف المعادن من الناحية العامة بأنها مركب صلب، يتكون من خلال عمليات ناتجة عن تغيرات طبيعية تحدث بناء لظروف مُعينة، وفي العام 1995 وضعت "منظمة المعادن العالمية" تعريفاً يقول إن المعدن عبارة عن "عنصر أو مركب كيميائي كريستالي بطبيعته متكون كناتج عمليات جيولوجية" وبشكل عام وبسيط فإنه يُمكِننا القول إن المعدن عبارة عن مادة صلبة وغير عضوية توجد في الأرض بصورة طبيعية، وهي ذات تركيب كيميائي مُميز أو متغير في نطاق محدود وله تركيب بلوري داخلي ثابت، ويُلاحظ من التعريف السابق أن المعدن هو مادة توجد في الطبيعة وليس للإنسان أو الحيوان أو النبات دور في تكوينها، كما نُلاحِظ أن التركيب الكيميائي ليس كافياً لتحديد المعدن حيث أنه يجب معرفة التركيب البلوري وهو الذي يتحكم في كثير من الصفات الطبيعية للمعدن مثل الصلابة والمخدش واللون، وباختصار فإن المعادن هي مواد صلبة متجانسة غير عضوية تتكون في الطبيعة نتيجة عمليات جيولوجية، وهي تمتلك بناء بلوريا وتركيبا كيميائيا خاصا يتم تصنيفها على أساسه مثل الكربونات أو الكبريتات وغيرها، فعلى سبيل المثال يوجد الكربون في الطبيعة على صورة معدن الألماس وهو من أكثر المعادن المعروفة صلابة كما يوجد الكربون نفسه أيضا على صورة معدن الجرافيت وهو من أقل المعادن صلابة، وتنقسم المعادن الى عدة اقسام أهمها:  المعادن الأولية ويُقصد بها المعادن التي تكونت أول مرة أثناء فترة تكوين المعادن في فجر حياة الكرة الأرضية، وكان تكوينها نتيجة صعود محاليل كيمائية مركزة من باطن الأرض إلى قشرتها الخارجية، وترسبها بعد ذلك. المعادن الثانوية وهي المعادن التي تعدّلت وتغيرت من طبيعتها الأولى نتيجة تأثرها بعوامل عديدة مثل التعرية والتحول.  وهنا يجب الإشارة الى أن المعادن غالبا ما تتميز بقوتها وقدرتها على توصيل الحرارة والكهرباء اضافة للعديد من الخواص الفيزيائية والكيميائية الأخرى، وهي بالعادة قابلة للسحب والطرق وإعادة التشكيل بسهولة، ولذلك فإنها تُستَخدم في العديد من الصناعات الحديثة حيث كان لها دور كبير في ثورة التكنولوجيا الحديثة.  أما عن طُرق الحصول عليها فهي مُتنوعة وأهمها عملية "التنقيب" وهي عملية يُقصَد بها مجموعة من الأنشطة التي تهدف إلى البحث عن المعادن أو تحديد كمياتها المتواجدة في مكان ما، وهي تشمل أخذ عينات من التربة أو الصخور، إضافة للمسوحات الجيوفيزيائية والحفر العكسي والماسي. وهنا تجدر الإشارة الى بعض البيانات التي قد تُساعدنا في فهم أهمية ودور بعض المعادن الرئيسية في حياتنا ومن أهمها: عام 2021 تم استخراج 2.8 مليار طن من المعادن يُشكل الحديد منها 93% بما يعادل 2.6 مليار طن يليه المعادن الصناعية بحوالي 181.5 مليون طن وهو ما يُعادل 6.5% من المعادن المُستخرجة ثم المعادن النفيسة والمعادن المُستخدمة في التكنولوجيا والتي شكلت ما يعادل 0.5% أي 1.475 مليون طن، وبتفصيل المعادن الصناعية فقد كانت بياناتها كما يلي: 68 مليون طن من الألومنيوم يليه 41 مليون طن من الكروم، ثم 21 مليون طن من النحاس و20 مليون طن من المنغنيز، 13 مليون طن من الزنك و9 ملايين طن من التيتانيوم، وهنا يجب التنويه الى ان انتاج الألومنيوم شَكَّل 40% من المعادن الصناعية علما بأن الصين وحدها تُنتِج ما يزيد عن نصف إنتاجه العالمي حيث يتم استخدام 25% منه في البناء و 23% في النقل، أما الكروم فيُستخدم بشكل أساسي في صناعة الفولاذ مما يُعزِز قوته وقدرته على مقاومة التأكل والصدأ. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن المعادن الموجودة تحت ارضنا الثمينة هي ثروات طبيعية حقيقية لا يُمكن الاستغناء عنها في الصناعات والأعمال اليومية الاعتيادية، وهي بذلك تُشكِّل فرصة استثمارية هامة وإرثا ثمينا للأجيال القادمة يجب الاستفادة منه والعمل على استثماره، فوجود المصانع والمعامل والعمل على اقتصاد قوي يضمن الاستغلال الأمثل للموارد قد يكون وحده مفتاح الخلاص، ولنا في الصين خير مثال، وهنا أستذكر مقولة السياسي الأمريكي "هنري كيسنجر" حين قال "يمكن أن يصبح الوصول إلى الموارد الطبيعية مسألة بقاء للعديد من الدول".