رب ضارة

رُوِيَ أن رجلا فقيرا كان منزعجاً جداً من ثرثرة زوجته لدرجة أنه قرر أن يلقي بها في الوادي، وينتظر إلى أن تتوب عن ذنب الثرثرة الذي أرهق عقله وأنهك بدنه، وبعد أيام عاد ونادى في الوادي سائلاً عن وعدها بالتوقف عن الثرثرة فسمع صوتا يقول له نعم، فلم يلبث حتى أرسل الحبل وسحب بكل قوته ليخرج له ثعبان كبير أفزعه بقوة، وقبل أن يلقي به من جديد في الوادي ناداه الثعبان بأن ارأف بحالي ولا تعيدني إلى ذلك الوادي، حيث تلك السيدة التي قتلتني ثرثرة منذ أيام حتى أني لم أعد أطيق الوادي الذي أسكن به، فاستغل الرجل الموقف وطلب من الثعبان أن يساعده ليجني بعض المال، بأن يلتف حول عنق الأميرة ولا يفلت إلا إذا أتى هو لينقذها، وفعلا حدث ولم يستطع أحد إنقاذ الأميرة حتى أتى صاحبنا فذهب الثعبان حسب الاتفاق ولكن غير راضٍ، فقد أراد أن يتقاسم الغنيمة مع الرجل الذي رفض ذلك، واحتفل به الملك لأيام عديدة وأحسن إليه ورفع من قدره، وقبل أن يغادر القصر مع الغنيمة جاء من أقصى المدينة منادٍ ينادي، يا أيها الملك لقد اقتض الثعبان على عنق زوجة أخيك حاكم المدينة المجاورة، فلم يتردد الملك بأن يطلب من خبير الثعابين المزيف أن يذهب لإنقاذها، حيث لم يستطع أن يتهرب من ذلك، ولما ذهب إلى الثعبان بادره الثعبان بأنه لن يفلت الأميرة إلا إذا أعطاه كل الغنيمة، فرد عليه الرجل بأنه أخرج زوجته من الوادي وأنها قادمة لتتسامر معه، فلم يكذب الثعبان خبراً وغادر سريعاً إلى غير عودة. استدرك الرجل قيمة زوجته الثرثارة وأخرجها ليعيش متأقلما ومستمتعا بثرثرتها التي جلبت له الغنى، فلرب ضارة نافعة (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) صدق الله العظيم. تتبدل الوجوه وتتغير المواقف وتتكشف الحقائق، فيتحول صديق الأمس إلى عدو اليوم وحبيب العين إلى رمدها وطيب الريح إلى إعصار، فيحزن القلب وينكسر الخاطر وتتبدد الآمال وتنعدم الثقة، ولكن رب ضارة نافعة، فإن الضربات التي لا تكسر الظهر تشد من أزره ولولا المحن لما وُجِدَ المجد. وفِي ما وراء القصد أن كل الدول التي تقف الآن في مقدمة العالم اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً هي تلك الدول التي نهضت من تحت ركام الحرب العالمية الأولى والثانية، وكل الشركات العملاقة في كافة المجالات التي تسيطر على أسواق العالم الآن هي تلك الشركات التي تحملت صعوبات الأزمات المالية والاقتصادية المتكررة واستمرت مع جراحها ولم تستسلم، وكل الأشخاص الناجحين والمتميزين الحقيقيين هم ليسو أولئك الذين وجدوا كل أسباب النجاح ميسرة ليصبحوا متميزين، بل هم أولئك المكافحون الذين خرجوا من رحم البركان وشقوا طريقهم في الصخر غير مبالين بأزمات الزمان. لذا إنني شديد الإيمان بأن الابتلاء نعمة كبيرة تتيح فرصة مراجعة الماضي وحسن الإعداد للمستقبل، ورب ضارة نافعة، وإلى أن نلتقي هذه تحية وإلى اللقاء.