تجربة الصندوق السيادي النرويجي أصبحت اليوم محل تقدير وإشادة من قبل المؤسسات المالية والمصرفية في العالم، نتيجة للمكاسب التي حققتها على المستويين الداخلي والخارجي خلال العقود الثلاثة الماضية. في الوقت نفسه نرى أن معظم الصناديق السيادية الخليجية أعلنت مؤخرا عن تحقيق المزيد من الخسائر نتيجة للتصويت الذي جرى بقرار خروج بريطانيا من منظومة الاتحاد الأوروبي، وما تلى ذلك من انعكاسات سلبية على الاقتصاد البريطاني نتيجة لهذا القرار. فمعظم أرباح الصناديق الخليجية التي استثمرت أموالها في قطاعي العقار والسياحة تأثرت بصورة كبيرة وأعلنت عن تحقيق المزيد من الخسائر نتيجة لهذا القرار. وقد انعكس هذا القرار أيضا على استثمارات الصناديق السيادية الأخرى بدرجات متفاوتة. وتقدّر خسائر الصناديق السيادية الخليجية بما فيها خسائر المصارف والقطاع الخاص ما بين 600 و700 مليار دولار أمريكي خلال الـ 48 ساعة التي أعقبت الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي، وفق ما كشف عنه الرئيس السابق لاتحاد المصارف العربية عدنان أحمد يوسف، موضحا أن ذلك أدى إلى خسائر فاقت التريليوني دولار أمريكي بأسواق المال العالمية. مقابل ذلك نرى أن الصندوق النرويجي يحقق الكثير لحكومته ومواطنيه. ويعتبر اليوم واحدا من الصناديق النموذجية الكبيرة من نوعه في العالم وبلغت عائداته 1.3% في الربع الثاني من العام الحالي. ويقوم على اتباع الإدارة السليمة في استثماراته، وتستفيد الكثير من دول العالم من تجارب هذه الإدارة وأنظمتها وسياساتها الاستثمارية، وتسعى لتطوير أنظمتها ومؤسساتها المماثلة من خلال اتباع الأساليب التي يتبناها هذا الصندوق. ويبلغ حجم أموال هذا الصندوق 893 مليار دولار حيث تُستثمر 65% من أمواله في سوق الأسهم، و35% في سوق السندات، و5% في سوق العقارات. ولذا فإن التأثيرات السلبية لاستثمارات هذا الصندوق في السوق العقاري البريطاني كانت قليلة. ويهدف الصندوق إلى تحقيق عائد يبلغ 4٪ سنويا على الأقل. وجميع الصناديق السيادية في العالم تعمل على دعم الاقتصادات المحلية بجانب تنفيذ سياستها تجاه الاستثمارات العالمية. ومن هذا المنطلق أعلنت الحكومة النرويجية منذ البداية أن الصندوق مِلك للأجيال القادمة، ومنعت الحكومة نفسها من استخدام ما يزيد على 4% من هذه الأموال فقط لتنفيذ مشاريع البنية التحتية ومشاريع عامة أخرى مع قيامها باستثمار باقي الأموال في أسواق المال العالمية. واستطاعت بذلك أن تجعل إيرادات النفط لا تزيد على 30% من إجمالي الإيرادات الحكومية، وأن يشكل القطاع النفطي 23% فقط من الناتج المحلي الإجمالي حسب تقديرات عام 2015م، وهذا ما تجب استفادته من تلك السياسات وفي كيفية إدارة استثمارات الصناديق السيادية العربية التي بدأت تتآكل بصورة كبيرة نتيجة للهزات النفطية والمالية من جهة، والسحب اليومي نتيجة للحروب والصراعات الإقليمية التي ربما ستقضي على مما تبقى لديها من أموال في يوم ما من جهة أخرى.