الأمن المائي العربي

يعد وطننا العربي من أفقر أقاليم ودول العالم من حيث ندرة الموارد المائية، ولقد تفاقمت الأزمة بسبب التزايد السكاني الرهيب والتغير المناخي والتصحر وسوء استخدام الموارد الطبيعية واستهلاك وإهلاك النظم البيئية وعدم وجود سياسات تتسم بالكفاءة في إدارة وتقليل المخاطر الكارثية لدى العديد من حكومات المنطقة، ولقد تزايدت التحديات نتيجة لعدم دقة المعلومات ونقص الثقافة والوعي بالممارسات الصديقة للبيئة. ويؤكد تقرير تنمية المياه العالمي الصادر عن الأمم المتحدة على أن ملايين الأشخاص في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سوف يواجهون أزمة مياه حادة خلال العقود القليلة المقبلة، وذلك في الوقت الذي تسعى فيه هذه الدول إلى تعزيز النمو وتنويع الاقتصاد. كما أكد التقرير كذلك على حقيقة أن نصف عدد سكان الوطن العربي يعتمدون على المياه العذبة التي تأتيهم من دول غير عربية كدول منابع نهر النيل أو تركيا، وهو الأمر الذي يزيد ويعمق من مشكلة ضعف وندرة الأمن المائي العربي أكثر وأكثر. وتمثل معدلات الخصوبة العالمية مصدرًا آخر للقلق، فوفقًا لتقرير الأمم المتحدة فإن متوسط توافر المياه السنوي للفرد في العالم العربي قد يتراجع إلى 460 مترا مكعبا بما يمثل أقل من نصف حد فقر المياه العالمي والبالغ نحو 1000 متر مكعب للفرد، وأنه في حالة تحقق هذا السيناريو فسيكون استخراج المياه أقل استدامة عما هو عليه في الوقت الراهن في ظل وجود موارد محدودة تستنزف بسرعة أكبر عن ذي قبل، ومما يزيد من حدة المشكلة هو محاولة بعض الحكومات العربية الفقيرة كسب ود شعوبها وتحقيق السلام الاجتماعي من خلال تقديم دعم مالي على استهلاك المياه، والذي يكون كفيلًا بتشجيع ممارسات الهدر والتبذير ويُسرع من استنزاف الموارد المائية ويعمق من حدة التحديات البيئية. لذا يتعين على حكوماتنا العربية خاصة تلك التي تعاني ندرة المياه التخلص تدريجيًا من زراعة وإنتاج المحاصيل كثيفة استهلاك المياه، وفيما يتعلق بالمحاصيل التي ستقوم بزراعتها وإنتاجها أن تستخدم التكنولوجيا الأكثر تقدمًا، ويتعين عليها كذلك الاستعانة بأفضل التجارب والممارسات العالمية في ترشيد استهلاك المياه واستخدام تكنولوجيا الري بالتنقيط والاستفادة إعادة تدوير مياه الصرف الصحي وتحلية المياه، كما يجب على الحكومات العربية الاهتمام بتقوية البنية التحتية للمياه لمعالجة الاختلالات الموسمية وتخزين مياه الأمطار... ومن الأمور الهامة كذلك تحسين إدارة المياه من خلال التسعير المعقول للمياه بهدف الحد من الهدر. إلا أننا يجب أن ندرك أن هذه المشكلة أضخم من أن تواجهها دولة عربية واحدة، وإننا في حاجة ماسة لمزيد من التعاون الإقليمي والدولي لمجابهتها، وعلى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضرورة التكاتف والتنسيق فيما بينها لتطبيق أفضل برامج ترشيد استهلاك المياه مما كان لها نصيب من النجاح في مناطق ودول أخرى، كما يجب تخصيص المزيد من الاستثمارات لإصلاح البنية التحتية المتهالكة للمياه والاهتمام بتنفيذ وتشييد مجموعة من السدود وخزانات المياه التي تتوافق وطبيعة الدولة، والحفاظ بشدة على مواردنا المائية الحالية وتنميتها.