إعادة هيكلة القروض المتعثرة طوق نجاة القطاع

برزت البنوك الأوروبية خلال العقود الماضية في توفير الحلول التمويليه التي تتطلبها صناعة الشحن البحري، وذلك لأهميتها الإستراتيجيه كإحدى آليات دعم التوظيف، لتشغيلها أعدادا كبيرة من العاملين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتأثيرها المضاعف على اقتصاد الدول، وهو ما دفع بالحكومات لدعمها وتوفير حزمة من الإعفاءات الضريبية والآليات لتأمين نمو أعمالها. وبقيت كذلك إلى أن جاءت الأزمة المالية العالمية بالعام 2008 بمعاناة إرتفاع القروض المُتعثرة بمحافظها التمويلية المرتبطة بتمويل شراء السفن، فبحسب بعض التقارير فإن الأموال التي قامت أكبر 10 مصارف ألمانية بإقراضها لصناعة السفن تعادل 60 في المائة من حجم رأسمالها وما تحتفظ به كاحتياطي للخسائر. فطول فترة الركود التي يُعاني منها القطاع زاد أعباء البنوك من قروض بحرية مُتعثرة، دافعاً إياها نحو تخفيفها، وإعادة هيكلة محافظها للحصول على رأس المال اللازم للإيفاء بمتطلبات الاحتياطي الصارمة التي يطالب بها المنظمون الأوروبيون، كما دفع ببعضها نحو التخارج من أنشطة تمويل السفن. فبالعام 2014 قامت مجموعة لويدز المصرفية بالتخارج من سوق الشحن البحري ببيع آخر 500 مليون دولار من قروضه بمحفظتها، وباع بنك كومرتس محفظة شحن بحري تُقدّر بـ 182 مليون دولار، ولم يكن العام 2015 أفضل حالاً فالمصرف الملكي الإسكتلندي "RBS" طرح كذلك 5 مليارات دولار للبيع. كما أن دويتشه بنك وهو احد البنوك المعروفة بسياسته المتحفظة جداً في التمويل، أعلن مؤخراً نيته بيع ما لايقل عن مليار دولار من قروض النقل البحري بمحافظه، والتي تتجاوز قيمتها 5 مليارات دولار بحسب بعض التقارير. فالكثير من البنوك لا ترى التمويل البحري مربحاً حالياً، خاصةً مع ما تواجهه من مُتطلبات مُتزايدة وصارمة مُتعلقة برأس المال، وما تم تطبيقه من لوائح رقابية لإدارة المخاطر بموجب إتفاقية بازل ثلاثة، كمتطلبات توفير مخصصات أعلى من رأس المال لتمويل الشحن البحري مُقارنة بأنواع التمويل الأخرى كالعقارية. بالمقابل فإن المصارف الصينية خاصة تلك المملوكة من قبل الحكومه الصينيه نشطت بالعامين الماضيين في تمويل شراء السفن والإستحواذ على القروض المتعثرة، مدفوعة بنظرة إستثمارية بعيدة المدى، ومستفيدةً من المرحلة الحالية التي يعشقها مستثمرو الفترات الطويلة كأصدقائنا اليونانيين. إن إفراط الشركات في بناء السفن، وتوجهها نحو بناء السفن الأكبر حجماً ساهم بإستمرار هبوط أسعار الشحن، كما أن سخاء البنوك الأوروبية في منح التمويل لشراء السفن، يضع كلا الطرفين محط لوم لما آلت له صناعة الشحن البحري، الأمر الذي أوجد الفائض الكبير في السفن، وتسبب في انهيار أسعار شحن البضائع وإنخفاض قيم الأصول البحرية وإفلاسات عديدة. فعندما تتعثر بالسداد وتغدو مديناً للبنك لا تكون وحدك من يواجه مشكلة فهي مشكلة للبنك أيضاً، وأي أرباح ستحققها الشركات مع التعافي المرجو للصناعة خلال السنوات القادمة سيتجه لسداد الديون، الأمر الذي سيتطلب منها الاستمرار بإعادة هيكلة القروض المتعثرة وتوفير التمويل لكن بصورة أكثر تحفظاً عن السابق.