مر العالم بأزمات خطيرة بدءا بركود 2008 مرورا بالحالية ذات الأبعاد المالية والصحية. يؤثر الكورونا على الاقتصاد والعكس صحيح، أصبح العالم فعلا مع الكورونا ضيعة صغيرة ولم تعد هنالك مجتمعات محمية أكثر من غيرها. نعيش في ظروف صعبة لم نكن نتوقع حدوثها حتى في أسواء المنامات، شجعت أزمة 2008 وما أحدثته في الأسواق المواطنين على التنظيم ضمن مجموعات ذات أهداف مشتركة تطالب بحقوقها بكل جرأة كتجمعات النساء والمعاقين والمهن الحرة. لم تعد المطالبة الكلامية كافية، بل لابد من حسن التنظيم والمطالبة بالحقوق بكافة الطرق المشروعة. التنظيم أساسي وهذا ما فهمته منظمات الحراك المدني اللبناني، إذ تنسق فيما بينها شرط القبول بتحقيق المطالب تدريجيا. إلغاء التجمعات مع الكورونا يؤجل المطالب دون أن يلغيها. هنالك أولويات ولا شك أن الصحة تأتي قبل كل شيء. هنالك ظلم في كل المجتمعات يفهم أولا من التعبير العادي أي مثلا من مخاطبة النساء كالرجال وعدم احترام دور المرأة. أكثرية الموظفين في القطاع المصرفي اللبناني هم من النساء، علما بأن القيادات العليا أكثريتها من الرجال مما يشير إلى إمكانية التمييز. ما زالت فجوة الأجور والمنافع والحقوق كبيرة بين الرجل والمرأة لنفس العمل في كل الدول علما بأن الفجوة أوسع وأكبر في الدول النامية. ما زالت فجوة الدخل كبيرة بين الأعراق كالفارق الاحصائي بين الشخصين الأبيض والأسود في معظم الدول وفي الولايات المتحدة تحديدا. نلاحظ أحيانا نفس الفوارق بين الأديان في المجتمع الواحد، إذ تغلب عندها الغريزة على العقل. الكورونا يؤخر كل شيء خاصة التفكير السليم في مستقبل العلاقات بين الشعوب والدول، كما في حقوق الإنسان ومعيشته. الظلم يجعل الإنسان يشك في نفسه وفي حياته وفي قدراته وبالتالي مرفوض. قال الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو" إن الإنسان ليس سيئا وقلبه ناصع البياض لكن الخطاء يكمن في الممارسات الخاطئة التي تدفع إليها المجموعات المتطرفة. ساهمت كثيرا وسائل التواصل الاجتماعي في الدفع إلى التطرف، إذ إن الحوار وجها لوجه خف وأصبحت المواقف تعلن عبر هذه الوسائل مما يفسر حديتها. من المهم أن تتكون في المجتمعات مجموعات تفكر إيجابا أي تنظر إلى المستقبل بعين بيضاء، فتساهم في تقوية الثقة داخل الدول وتمنع انتشار الرسائل الغاضبة والسيئة وتزيد اللحمة. تساهم الأفكار الإيجابية في تفعيل القرارات الجيدة في الاستثمار والإنفاق والنمو. قبل الكورونا ومعها، العامل والموظف والإداري خائف من المستقبل، أي مثلا من امتداد "الذكاء الاصطناعي" الذي يمكن أن يحل مكانه. الأفكار السيئة الخاطئة المبشرة بالأزمات مثلا تنتشر بسرعة أكثر من الأفكار الجيدة. لذا المطلوب في لبنان وفي المجتمعات العربية أن نحافظ على الحريات ونشجع على المنافسة ونطبق السياسات التي ترفع الإنتاجية، كما نحاول تخفيف الفقر وتضييق فجوتي الدخل والثروات. لن يبقى الكورونا إلى الأبد ولابد وأن نفكر في الحلول الطويلة الأمد لمشاكلنا وشعوبنا.