العبرة في النتائج

السبب الرئيسي لوصول «دونالد ترامب» إلى السلطة هو عدم رضا الأمريكيين عن نتائج الرأسمالية التطبيقية بعد عقود من الممارسة. خطاب القسم في 20/‏1 كان واضحا ويؤكد على رغبته في فتح صفحة جديدة من الممارسة أطلق عليها اسم «أمريكا أولا». هنالك أنظمة سياسية اقتصادية متعددة والآراء تختلف حول الأفضل بينها. حتى ضمن النظام الرأسمالي المرتكز على مبادئ ثلاث هي الملكية الفردية وحرية العقود وسيادة القانون، هنالك أوجه عدة مورست في دول مختلفة. هنالك أيضا أنظمة تمزج بين الرأسمالي والاشتراكي أو بين الفردي والتعاوني وغيرها. لم يعط أي من الأنظمة نتائج فضلى لمصلحة الطبقات الوسطى وما دون بالرغم من تطبيقها لسنوات. هنالك تقصير وفساد وسوء إداء وهدر دون شك. قال «المهاتما غاندي» إن الفارق بين ما نفعله وبين ما نحن قادرون على تحقيقه يضع حلولا لمعظم مشاكل العالم. من أبرز الكتب التي تبين مساوئ الرأسمالية هو للاقتصادي «توماس بيكيتي» يبين فيه الفجوة الكبرى في الدخل والثروة التي تحققت نتيجة الممارسات الرأسمالية الخاطئة. قال «آدام سميث» مؤسس النظام الاقتصادي الحر إنه «لا يمكن لأي مجتمع أن يفرح ويزدهر إذا كان القسم الأكبر منه بائسا وفقيرا». هنالك اليوم ما يقارب 5 إلى 7 مليارات فقير في العالم أكثريتهم في الدول النامية لكنهم موجودون في كل مكان. في الولايات المتحدة مثلا في التسعينيات، قدرت نسبة الفقراء بـ 11%. في سنة 2008 مع بداية الأزمة المالية، كانت نسبة الفقراء الأمريكيين 13,2% وارتفعت إلى 16% في السنوات التي تلت. قال الرئيس ريغان «خضنا لسنوات حربا ضروسا ضد الفقر، لكن الأخير انتصر علينا».  هنالك واقع مرير هو أن الإنتاجية لا ترتفع بل تسقط أحيانا بالرغم من كل الاكتشافات والاختراعات العلمية. في الولايات المتحدة، انخفضت الإنتاجية بنسبة 0,5% في الفصل الماضي مما يؤثر سلبا على البحبوحة الاقتصادية وأوضاع الفقراء والعمال.. لماذا؟ يمكن أن تكون الإجابة عبر نوعية التكنولوجيا التي يستثمر فيها، أي عدم الاستثمار في الصناعات الثقيلة التي أنتجت الثورة الصناعية وعدم بناء معامل وماكينات صناعية حديثة بل الاكتفاء بالتكنولوجيا المساعدة للاستهلاك والإنفاق وليس للإنتاج. أسباب الفقر عديدة لكن أهمها سوء التعليم وبالتالي عدم القدرة على دخول أسواق العمل الحديثة التنافسية. هنالك المشكلة الصحية التي تخفف من إنتاجية الفقراء وتجعل من الفاتورة الصحية الفردية والعامة مرتفعة جدا. هنالك مجتمعات تنتج فقراء كتلك التي تنتشر فيها المخدرات والممنوعات التي تؤثر على عقل وإنتاجية المواطن. هنالك مجتمعات تكثر فيها الجرائم الأخلاقية والأمنية التي تمنع عمليا على الأفراد التقدم والتطور وخوض سوق العمل والإنتاج. هنالك التكاثر السكاني في المدن وارتفاع نسب الإنجاب وسوء تربية ومعاملة الأطفال وبالتالي انتشار أحياء البؤس والظلام والفقر، وهذا ما تكلم عنه «شارلز ديكينز» في سنة 1838 في كتابه «أوليفر تويست». خطاب ترامب يشكل تحديا كبيرا له وسيحاسب على النتائج.