سهولة الوصول وتأمين الموارد الأولية والقُدرة على مُجاراة المنافسين عبر تقديم مُنتجات وسلع توازي منتجاتِهم أو حتى تتفوق عليها، بالإضافة لاستخدام أحدث الطُرق التكنولوجية في الصناعة والزراعة، كانت كُلها وما زالت عوامل أساسية ومهمة في تطوير ورفع مُستوى جميع القطاعات والأعمال وبخاصة الزراعية والصناعية منها، فلولا المُعدات والآليات الزراعية مثل الجرّارات والحفارات لما استطاع الإنسان أن يُحقِّق توسُّع ملحوظ في استصلاح واستغلال الأراضي كما يفعل الآن، ولولا الكمبيوتر والحاسوب الآلي وثورة الطاقة والمعلومات لما كانت المصانع قادِرة على تلبية احتياجات الأسواق والمستهلكين المُتغيِّرة باستمرار، أحلام لم نكن لنُحقِّقُها لولا تضافر الجهود واتحاد الأفكار تحت مظلة واحِدة، مظلة العمل الجدِّي والإنتاج الحقيقي الذي يقوم على الاستغلال الأمثل والأفضل لكل الموارِد المُتاحة، فبنظرة تاريخية سريعة نرى أن الإنتاج والمحصول الزراعي تطور بشكل كبير، فالإنسان بدأ نشاطه الزراعي باكرا، ثم أخذ بتطوير هذا النشاط بشكل مُستمر ومُستدام، فكانت من أهم بدايات التطوير هي فكرة استخدام المحراث في الزراعة وهو الأمر الذي حدث بين الأعوام 5.000 الى 7.500 قبل الميلاد وهي نفسها الفترة التي اكتشف فيها المزارعون أيضا إمكانية القيام بزراعة البذور، ليبدأ بعدها استغلال الثيران بعملية الحرث، ومن ثم استخدام المناجل المصنوعة من الحجارة والنحاس، اما الفترة بين العام 1.500 الى العام 2.000 قبل الميلاد فقد كانت فترة ذهبية لتطوير عمليات الري حيث ظهرت فكرة الخزّانات التي تم استخدامها في ذلك الوقت لحماية الأراضي من الفيضانات، استمر هذا التطور لسنوات طويلة، لنصل تقريبا للعام 1700 بعد الميلاد حين تم في ذلك العام اختراع جهاز جديد لبذر البذور وزراعتها عن طريق حفر أخاديد ووضع البذور فيها، وهو الأمر الذي ساعد في تحسين جودة وسرعة وحتى دقة العمل حيث تم التوقف حينها عن القيام بِبذر البذور بالطريقة اليدوية التقليدية، أما العام 1834 ميلاديا فقد كان هو العام الذي قد تم فيه تم اختراع أول حصّادة آلية، ليتم بعدها بثلاث سنوات فقط اختراع المحراث الفولاذي واستخدامه بدلا من المحراث الحديدي أو الخشبي، ثم يأتي العام 1842 ميلاديا والذي شكّل نقلة نوعية في الزراعة عبر افتتاح أول مصنع للأسمدة الزراعية عبر التاريخ، هذا التطوُّر المُستمِر لم يكن مبنِّيا على رغبة الإنسان بالتطوير فقط، بل كان أيضا وعلى مر العصور يعتمد وبشكل مهم على حاجة المجتمعات الأساسية لتأمين احتياجاتها من الماء والغذاء، وذلك على الأقل لضمان استمرارِيتها وبقائها في هذا العالم، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي الزراعة؟ وكيف يتم تطويرها؟ وما هي أهميتها؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان الزراعة بداية الحضارات الكُبرى، وأساس استمرارها، فالإنسان قبل أن يُنشئ أي حضارة لابد وأن يبحث عن مصدر طعامه واستقراره أولا، فالحضارات التي اهتمت بالزراعة استمرت وتوسّعت بشكل كبير، بل وكان لها أثر رائع في التاريخ الإنساني وتفوق واضح في العلوم والصناعة، وبالتالي فانه يُمكِن تعريف الزراعة أو الفلاحة بأنها عملية إنتاج الغذاء والعلف، والألياف وبعض السلع الأخرى عن طريق التربية النظامية للنبات والحيوان، أما لغويا فكلمة زراعة تأتي من فعل "زَرَعَ" حيث يُقال زرع الحب زرْعاً أي بَذَرهُ، قديماً كلمة "زراعة" كانت تعني علْمُ فلاحة الأراضي فقط، اما الآن فإنها تُغطِّي كل الأنشطة الأساسية اللازمة لإنتاج الغذاء والعلف والألياف، شاملة في ذلك كل التقنيات المطلوبة حتى لتربية ومعالجة الماشية والدواجن، وهنا يجب التنويه الى أن أهمية الزراعة الأساسية تكمُن في تأمين الغذاء والطعام لسكان هذه الأرض من البشر أولا ومن الحيوانات ثانيا، وهو ما يجعل من الزراعة أساس تأمين الحاجات الغذائية في العالم، كذلك فإن تأمين المواد الأولية الأساسية مثل القطن والخشب والمطاط وغيرها من المواد الأخرى ما هو الا نتاج زراعي يتم استغلاله بالصناعة، ولا ننسى أيضا وبشكل كبير تأثير الزراعة على البيئة والظروف الجوِّية والتي ساعدت على مرِّ العصور في خلق حالة من الاستقرار والثبات في المُجتمعات التي غالبا ما كانت تتنقّل بحثا عن الماء والغذاء، وهنا وبغض النظر عن أسباب وطُرق تطوير الزراعة على مرِّ العصور الا أن العامل المُشترك الأساسي بين كل ما سبق هو تضافر الجهود الإنسانية والعمل الحقيقي والمُتكامِل والقائم على تبادل الخبرات والمعارف وحتى التِقنِّيات والتكنولوجيا لتحسين الإنتاج الزراعي الى ما وصلنا إليه اليوم، فها هي المؤتمرات عبر السنوات تنقل خبرات شعوب الى أخرى، وها هي الاكتشافات والعلوم تنتقل كما النار في الرماد بين المُزارعين والفلاّحين، وها هو اكسبو البستنة اليوم يزهو بألوان علم قطر الجميلة ويزهو هو أيضا بنجاح تنظيم كأس العالم ليبدأ عرسه الجديد في الدوحة، مُعلنا بدء حربه الجديدة ضد التصحُّر، مُستغلا كل أسس الاستدامة والتكنولوجيا في العالم. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن طرق تطوير الزراعة والإنتاج يجب أن تقوم على أساس علمي يعتمد على استغلال جميع الموارد والخبرات المُتاحة في هذا العالم، فها هي الدول التي كانت تستورد المنتجات الزراعية باتت اليوم تُصدِّرها وها هي الدول التي كانت تبيع القمح تشتريه الآن وتبحث عنه، فالأراضي الزراعية والموارد المُتاحة إذا لم يتم استغلالها بالشكل الأمثل، فإنها ومع الوقت ستتحول الى ثقل على كاهِل القائمين عليها ولنا فيما قامت به الولايات المتحدة الامريكية وهي التي تحتل المركز الأول في قائمة كبرى الدول من حيث الإنتاج الزراعي، حيث بلغ إجمالي إنتاجها الزراعي 513.7 مليون طن في العام 2019، ساهمت بـما لا يقل عن 100 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي خير مثال، وكذلك الصين التي تُعتبر مصدرا لما يُقارب 50% من إمدادات الخضراوات في جميع أنحاء العالم، وهنا تأتي أهمية البحث والتجربة وأخذ قرار التنمية الزراعية والتطوير، وهنا أستذكر المثل الشعبي والذي كان يُردِّدُه علينا آباؤنا دوما " من جدَّ وجد، ومن زرع حصد" فقد علمتنا الحياة انه لا نتيجة بلا عمل، ولا حصاد بلا زرع أو تعب.