أصبح الشك بشأن السياسة الأمريكية أقرب للغواية، أو الهواية، الدالة على الوطنية، التي يتبارى الكُتاب في توصيفها. وقد نتج هذا، حسب رأي الكثيرين، عن التسويق التجاري لأمريكا، وبسبب نجاح الأثرياء في بناء نظام جدارة كاذب، إذ أصبحت «الجدارة بلا وسائل» صعبة بشكل متزايد. ونتيجة لذلك، انخفضت القدرة على الحراك الطبقي، ويمكن أن يتوقع عدد أقل من الشباب أن يعيشوا حياة أفضل من آبائهم. إن هذا يبدو أشبه بالقانون العالمي للعواقب غير المقصودة، الذي يستبدل فيه المجتمع القيم القديمة للأرستقراطية الموروثة بالثروة مع الجدارة الحقيقية، بمواضعات تنتصر فيها الغاية على سلامة الوسيلة. ومع ذلك، فقد استفاد القليلون من أصحاب الجدارة والتقدير في استخدام تنقلهم الجديد لخلق عالم يتم فيه تسويق الحركة الطبقية الجديدة. ونتيجة لذلك، أصبح أبناء الأثرياء هم بالفعل، الذين يستطيعون الوصول إلى المدارس الخاصة، والمعلمين الخصوصيين، والدورات الإعدادية، ودروس الموسيقى والفنون، وتعلم أحدث التقنيات، أي أن لديهم ميزة مادية لتسلق سلم الجدارة. ففي سرد افتراضي يغطي السنوات من 1967 إلى 2017، يعطينا ستيفن بريل، في كتابه «الهبوط اللولبي: الشعب والقوى خلف خريف عام أمريكا - والذين يقاتلون من أجل عكسها»، والصادر في 29 مايو، 2018، يعطينا صورة مقنعة بشكل مذهل عن النظام المعطوب في قلب المجتمع الأمريكي. وقال إنه تبين له كيف، على مدى نصف القرن الماضي، أن القيم الأساسية الأمريكية، مثل، الجدارة، والابتكار، والإجراءات القانونية الواجبة، وحرية التعبير، وحتى الديمقراطية نفسها، قد مكن تراجعها في ممارسة السلطة إلى خلل وظيفي. لقد عزلت هذه السلطة أفضل الكفاءات وألمعها، الذين لم تكن مواقعهم في القمة أكثر أمناً، أو أبعد من مستخدمين مؤقتين. وكانت النتيجة تآكل المسؤولية والمساءلة، ووباء قصر النظر، والمركز الاقتصادي والسياسي الأجوف بشكل متزايد، وصارت اللامبالاة واليأس يعصفان بملايين الأمريكيين. لقد بنى فرضيته عن طريق دراسة معمقة فحصت تفاصيل حياة الشعب وقواه، وزعم أنها وراء ارتفاع درجات التوتر الاجتماعي، وأرجع تعثرها إلى الضغط الكبير من الإجراءات القانونية، والهندسة المالية، وزوال نقابات القطاع الخاص، والبيروقراطية. وفي الوقت نفسه، يجيب بريل عن السؤال الذي يدور في ذهن الجميع: كيف وصلنا في نهاية المطاف إلى هذه الطريقة؟ وأخيراً، يعرّفنا على أولئك الذين يعملون بهدوء وفعالية لإصلاح الأضرار. إذ يجتهدون مرة في تشخيص العلل الوطنية، وتاريخ تطورها، ويعملون ثانية على تقديم وصفة طبية من أجل مستقبل أكثر إشراقاً، ومن ثم طالب الصحافة بتثبيت الانهيار، وأن يكون الصحفيون ترياق دعم من حالة اليأس السياسي. إن ستيفن بريل يعرض فحصاً بارعاً حول لماذا وكيف لم تعد المؤسسات الأمريكية الكبرى تفيد المجتمع كما ينبغي، مما تسبب في انقسام عميق بين الأغلبية الضعيفة، وتلك التي تتوفر لها حماية قليلة. وكيف يضع بعض الأفراد والمنظمات الأساس لتغيير حقيقي ودائم. وهنا، يقدم في كتابه، الذي جرى بحثه بخبرة، أكثر من مجرد تحديد للخطأ: فهو يشرح لماذا لا تعمل الديمقراطية الأمريكية. وهو يبرهن بالقصص القوية، والشخصيات المدهشة، التي تغذي وتقاوم ضعف أمريكا الديمقراطي. وقد بين كيف أن عبادة الجدارة خلقت بشكل مأساوي نخبة راسخة مصمّمة على الدفاع عن خنادقها، وجعلت نفسها، بدلاً من أمريكا، «عظيمة»، وتتحدى الجميع.