الحقيقة أن الاقتصاديين عموما اهتموا أكثر بالنمو من التوزيع العادل، فكانت النتائج الاجتماعية سلبية. إيجابيا أنتج النمو القوي ارتفاعا في المؤشرات الصحية والتعليمية والغذائية فكان النجاح الواضح في رفع العمر المرتقب بسرعة إلى الثمانينيات من الأربعينيات. ما انتشار كتب الاقتصادي «بيكيتي» عن الرأسمالية إلا دليل على وعي المجتمع الدولي لإهمال الفقراء وضرورة التصحيح لتأمين العدالة والاستقرار. منحت جائزة نوبل لسنة 2019 إلى 3 اقتصاديين عملوا على معالجة موضوع الفقر أي الفرنسية «ديفلو» والهندي «بانرجي» والأمريكي «كرايمر» تنويها لسنوات طويلة من الأبحاث. تطور علم الإحصائيات وتوافر الأرقام الدورية سهلا على الاقتصاديين القيام بأعمالهم. نجح علم الاقتصاد في تحديد السياسات التي تحقق النمو، بين سنتي 1929 و1932، أيام الأزمة الكبيرة سقط الدخل الوطني في الولايات المتحدة 50% مع ما يحمل من أوجاع كبيرة. لم تتعدل السياسات فقط خلال الأزمات، بل غيرت دور القطاع العام في الاقتصاد من متفرج إلى متدخل. تدخل القطاع العام لإقرار القوانين المشجعة للمنافسة منعا للاحتكار كما تدخل في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية إنفاقا وتشريعا للتأكد من النوعية والسعر. كانت هذه مناسبات كبيرة للاقتصاديين كي يلعبوا الدور المطلوب في الاستشارات وفي العمل المباشر الوظيفي. دخل ألوف الاقتصاديين إلى القطاعات العامة في أمريكا والغرب وبقية العالم. الحاجة إليهم وإلى علمهم أصبح واضحا ومعترفا به عالميا. معظم الخلاف في أهداف السياسات الاقتصادية يتعلق بأيهما أسوأ البطالة أم التضخم؟ المهم جدا هو أن يحصل المواطن على عمل يسمح له بالعيش الكريم. لكن التضخم يمكن أن يأكل الأجر وبالتالي يضرب ما جناه المواطن. الخيار صعب والمسؤولون في الدولة يعجزون أحيانا عن اختيار السياسات الفضلى. كان «ميلتون فريدمان» يعتقد أن القضاء على التضخم أهم، إذ إنه يضرب الجميع. أما «كيينز» فاعتقد على العكس أن البطالة أهم ويجب أن تتوجه جهود الحكام نحو إلغائها. سيطرت أفكار فريدمان على معظم دول العالم أي مكافحة التضخم فكانت النتيجة شرخا قويا وسوء عدالة خطرة. خبراء الاقتصاد منقسمون حول السياسات الفضلى، لكن هنالك مؤشرات مشتركة يقتنع بها الجميع أو الأكثرية. مثلا 98% من الاقتصاديين لا يوافقون على تثبيت الأسعار بينها الإيجارات والمعاشات. 97% من الاقتصاديين يعتبر أن التعريفات الجمركية مضرة للاقتصاد وللمواطن. 95% يفضل أسعار الصرف الحرة على الثابتة و90% يعارض تحديد حد أدنى للأجر لتأثيره السلبي على البطالة. تتغير السياسات الاقتصادية مع الأنظمة الحاكمة، ما اعتمدته إدارات كينيدي وجونسون في الولايات المتحدة مثلا مختلف تماما عن ما طبقته إدارات نيكسون وريغان. كانت الدراسات الاقتصادية مثلا وراء إلغاء التجنيد الإجباري في سنة 1973 والانتقال إلى الجيش الاحترافي الطوعي. قال «فريدمان» وقتها إن التجنيد الإجباري هو اعتداء على الحريات ويسلب الشباب سنوات من عمرهم المنتج وبالتالي يضر بالأشخاص والاقتصاد. بفضل نفوذه في عهد نيكسون استطاع فريدمان المساهمة في إلغاء هذه الضريبة.