


عدد المقالات 101
حدثني أحد الأصدقاء بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن آخرين كما فهمتُ، مُشفقاً ومحذّراً، بأن حديثي عن افتقار كثيرٍ من الإسلاميين للفكر السياسي المنهجي، يعني وُلوجاً في ساحة المحظورات السائدة في بعض أوساط مجتمعاتنا العربية. خاصةً كما قال الصديق: "وأنك تشمل أحياناً العلماء ورجال الدين في إطار الإسلاميين الذين تتحدث عنهم". وتابع الصديق بأن هذا يمكن أن يُفهم لدى البعض بأنه مطالبةٌ بحظر تدخّل العلماء ورجال الدين في السياسة، بل إن البعض الآخر يمكن أن يُفسّره على أنه دعوةٌ إلى فصل الدين عن السياسة! ورغم تفهمّي لمشاعر الصديق وشكري لاهتمامه، غير أنني سارعتُ إلى التأكيد له بأن هناك طريقةً في فهم الدين يجب حتماً أن تُفصل عن السياسة.. وبأن هناك أفراداً في المجتمع ربما يحملون بعض الشهادات الشرعية، وربما ينطلقون في طروحاتهم وحركتهم من منطلق إخلاصٍ ينسجم مع حدود فهمهم، ولكن من الواجب قطعاً أن يتمّ رفض مشاركتهم في صناعة القرار السياسي.. على الأقل في رأيي الذي يمكن أن أحاجج في كلّ حيثياته. لقد ذكرتُ سابقاً أن هناك فرقاً دقيقاً وحاسماً آن الأوان لإدراكه فيما يختص بعلاقة الإسلاميين، ومنهم العلماء ورجال الدين، بالفكر السياسي وبصناعة السياسة. ولقد كان المقصود دائماً الإشارة إلى أننا بحاجة إلى السياسي الذي يحمل همّ وطنه وأمته من منطلقات حضارية، ويفهم هذا العالم بتوازن وواقعية، ويمارس السياسة تنظيراً أو تطبيقاً من خلال تلك المنطلقات. وإلى أننا لسنا في حاجة إلى رجل الدين الذي يحاول أن يتعامل مع السياسة بناءً على مبلغ علمه من الرصيد الفقهي أو الشرعي فقط. وحتى نضرب مثلاً نأمل أن يكون مُعبّراً، فإننا نؤكد أننا لا نقف ضد أن يعمل رجل الدين في السياسة كمبدأ، ولكن على أن يكون على سبيل المثال يحمل مواصفات الرئيس الإيراني "السابق"، العالم والمجتهد ورجل الدين محمد خاتمي. لا يهمّني هنا موقف إيران المُشين من الثورة السورية، فما أعرفه شخصياً عن الرجل أنه متعاطفٌ معها، وقد صرّح علنياً بموقفه المؤيد لها. من هنا، قلت للصديق: هاتوا لنا رجل دين قرأ الفكر العالمي وعلَّمهُ في الجامعات. هاتوا لنا رجلاً كان علماً من أعلام الثقافة والفكر بكل ألوانه من واقع عمله مديراً للمكتبة العامة في عاصمة بلاده. هاتوا لنا رجلاً عايش الغرب وخَبِرَ واقعه وأدرك إيجابياته وكمونه وعرف سلبياته ونواقصه بتوازن ودقة. هاتوا لنا رجلاً عايش الوجود الإسلامي في بيئةٍ غير بيئته المحلية. ورأى بعين اليقين تلك الحيوية الكامنة في تعاليم الإسلام للتعامل مع واقعٍ مختلف ومع أولويات مغايرة. وأبصر قدرته على استيعاب ذلك الواقع وتلك المتغيرات. كل هذا من واقع عمله مديراً لمركز إسلامي في الغرب لمدة سنوات كما كان خاتمي. والأهم من ذلك، قلت للصديق، هاتوا لنا رجلاً يدافع عن الحريات ويثق بقوة الإسلام الكامنة، ولا يخاف عليه بكل جلاله من مقالٍ كُتب هنا أو كتابٍ صدر هناك أو قصيدةٍ أُلقيت هنالك. هاتوا لنا رجلاً يصفه، على الصعيد الفكري، الدكتور محمد سعيد العوا في تقديمه لكتاب خاتمي (الإسلام والعالم) بأنه (يمثل الفكر الوسطي المنفتح الذي يرى التعاليم الإسلامية في صورتها الحقيقية: رحمةً ونعمةً ورفقاً بالناس، وتحريراً لهم من القيود، وإطلاقاً لطاقاتهم نحو الابتكار والإبداع، حتى في المجالات التي يرى آخرون أنها قد انتهى فيها الكلام إلى قولٍ فصلٍ لا رادّ له ولا مُعقّب عليه). هاتوا لنا رجلاً يصفُهُ، على الصعيد الشخصي، الصحافي جورج ناصيف قائلاً بأنه لا يعرف (من يعلوهُ عذوبةً وطفوليةً وخفراً) وبأنه (لا يُشبه جنسه، ولا يُشبه مقامهُ، ولا يُشبهُ موقعهُ) ناقلاً عن زوجة خاتمي قولها بأنه (كان يساعدها في شؤون المنزل كثيراً يوم كان وزيراً ثم اضطر اليوم إلى الإقلال، لكنه لا يُحجم.. وبأنه محاورٌ دائمٌ لابنتيه الطالبتين) ثم شارحاً كيف أن (محمد خاتمي، الرجل العذب، بكى.. بكل عنفوان، بكل كبر، بكل نبل.. لأنه حنثَ بوعد أو التقى طفلاً بائساً)! وذاكراً الانطباع الذي يتركه الرجل في عيون من يلاقونه (متحفظاً من كل ثقل، طليقاً إلا من طراوته، حراً إلا من قلبه.. متجاوزاً العمارات الفلسفية والفقهية.. وديعاً لا تأخذه عزّة ولا تفتنه غواية سلطة أو مال). وفي الختام قلت للصديق: هاتوا لنا رجلاً يتحدث عن تنوع التركيبة السكانية للبلاد، وعن قضايا الثقافة والتعليم والأمية والفن والأدب، وعن مصادر ووسائل تحريك عجلة الاقتصاد الداخلية والخارجية، وعن مسألة اسمها التضخم وأخرى اسمها البطالة، وعن النظام الضريبي، ونظام الضمان الاجتماعي، وعن توازنات وطبيعة العلاقات الخارجية والقواعد الناظمة لها. ويتحدث عن ضرورة توجيه الجهود والطاقات للتعامل مع هذه القضايا، بالتعاون بين قطاعات الشعب والحكومة، بشعور كاملٍ بالمسؤولية تجاه حاضر ومستقبل البلاد والعباد، ودون همزٍ ولا لمزٍ، ولا شتيمةٍ ولا تكفير، ودون إلقاءٍ لكامل التبعة على الآخر من الاستعمار إلى السي آي أيه، ودون تفسير الظواهر والأحداث بعقلية المؤامرة، ودون اتهاماتٍ بالخروج عن الملة والخيانة، ودون تحريكٍ عاطفي لغرائز الشباب وحماسهم في الاتجاه الخاطئ. وباختصار: هاتوا لنا مثل هذا الرجل، ونحن لا نقول إنه سيكون ملاكاً لا يُخطئ، أو معجزةً كأنه هبةٌ من السماء. وإنما فقط، ابحثوا عنه واعملوا على إيجاده، ثم قدّموه في الصفوف. وانظروا ساعتها إذا كان أحدٌ سيمنعهُ من التفكير بالسياسة أو العمل بها. قلت هذا للصديق وانتهى حديثي عند هذه النقطة. لكنني شعرتُ أنه أدرك ما أرمي إليه بدقّة، وعرفتُ أن المثال العملي الذي عرضتهُ عليه كان، بكل إشاراته ودلالاته ومعانيه، مُغنياً عن كثيرٍ من التحليل المجرّد الذي كنت في البداية أهمُّ بعرضه عليه. شعرتُ بهذا وعرفته من خلال لحظاتِ صمتٍ غَرِقَ الرجل فيها، وكانت مفرداتها أَبلغَ من كل كلامٍ يمكن أن يقوله. لكنني رأيت حزناً عميقاً ترتسم ملامحه على وجهه، وكأني بعقله يجوبُ ويجولُ في صفوف تلك الشرائح والطوائف التي يعرف أهلها.. باحثاً عن بصيص أمل.. دون كثير جدوى في نهاية المطاف. وبعد لحظات، عاد وجهه إلى الابتسام ولمعت عيناه كما يحدث لمن تذكّر شيئاً في غاية الأهمية. فسألني قائلاً: (أنت تُكرر طوال الوقت، هاتوا لنا رجلاً، هاتوا لنا رجلاً. فماذا عن المرأة؟ هل من وجودٍ لها في هذه المساحة التي نتحدث عنها؟). جاء دوري في الابتسام وقتَها، ولم يكن مني إلا أن قلت له باختصار: (تعلم يا صاحبي أن هذا حديثٌ يطول، وسيأتي الكلام فيه قريباً.. وبالتفصيل). تفرض علينا الثورة السورية الكثير من المراجعات. تُوجبُ علينا فتح الملفات الحساسة دون ترددٍ ومخاوف موهومة. الشرط الوحيد أن نفتح الملفات ونراجعها بكل ما في وسعنا البشري من تجردٍ وموضوعية. سبق شباب الثورة الجميع وصار لديهم صفحاتٌ لأخلاق الثورة السورية وأخرى لتصحيح أخطائها، فليس أقلّ من أن يتجرّد ويلحق بهم كل من يحمل صفةً من صفات القيادة، خاصةً إذا كانت دينيةً وتُوحي بأنها تتحدث باسم السماء.
بعد بضعة أيام من نشر هـذا المقال، يعقد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اجتماعاً سيكون من أكثر الاجتماعات حساسية في تاريخه وتاريخ الثورة السورية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. وتنبع خطورة الاجتماع بالدرجة...
{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء ونحنُ نُسبّحُ بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون}. بغضّ النظر عن الحشو الذي يملأ بتفاصيله...
لم يعد ثمة مجالٌ على الإطلاق، وبأي حسبةٍ من الحسابات، أن يسمح عربُ المشرق، ومعهم تركيا، لهذا الطوفان الإيراني أن يجتاح المنطقة بهذا الشكل الصارخ، ليس فقط في قباحته وابتذاله، بل وفي دلالات الموقف الدولي...
منذ بضعة أيام، صدرت عن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مواقفُ نعتقد أنها غير مسبوقة، وأن دلالاتها السياسية والدينية والثقافية تحتاج إلى كثيرٍ من التأمل. خاصةً عندما نفكر بأسبابها من جهة، ومآلاتها...
قلائلُ هم الرؤساء الأميركان الذين يعرفون لماذا وصلوا فعلاً إلى البيت الأبيض, وماذا سيفعلون فيه على وجه التحديد. هذه حقيقةٌ معروفةٌ في أميركا، رغم أن عدد ساسة هذا البلد الذين يحلمون بالوصول إلى أهم موقعٍ...
ما من شكٍ أن ثوار سوريا على الأرض كانوا ولا يزالون وسيبقون أصحاب القرار الحقيقي، لا نقول فيما يتعلق بمصير الثورة السورية، وإنما في تحقيق نصرها المؤزر في نهاية المطاف. لكن هذا لا يتناقض مع...
من الممكن جداً أن يكون تشكيل الحكومة السورية المؤقتة نقلةً هامة على طريق تحقيق أهداف الثورة السورية. ثمة مؤشرات عديدة على أن هذا الأمر في وارد الحصول، رغم الشكوك التي يطرحها البعض هنا وهناك. يبدأ...
منذ أكثر من خمسة شهور، وفي لحظة تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، كان أعضاؤه يعرفون، ومعهم العالم أجمع، أن الائتلاف هو المؤسسة الأم التي ستتولد عنها ثلاث مؤسسات أخرى أحدُها الحكومة المؤقتة. لم...
كثيرةٌ هي التحديات التي تواجه الثورة السورية، لكن تحدي الحفاظ على (الاستقلالية) بحساباتها وموازناتها الشاملة قد يكون أكثرهاً خطورةً وأهمية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الموقع الاستراتيجي لسوريا فإن التعامل مع هذا التحدي كان وسيبقى مهمةً...
كلما قلتُ متى موعدُنا ضحكت هندٌ وقالت بعد غد. قد يعبّر هذا البيت من الشعر العربي عن حال الثورة السورية مع معارضتها السياسية. فرغم المحاولات المختلفة للقيام بالدور المطلوب من قِبلها، لا تبدو هذه المعارضة...
يمكن وصف الثورة السورية بألف طريقة وطريقة، فهي تحمل في طياتها بحراً من المعاني سيأتي قريباً اليومُ الذي تظهر دلالاتهُ الحقيقية للناس. لكن وصف (الهجرة) قد يبدو في هذه المرحلة مُعبّراً عن واقع السوريين أكثر...
في عددها مطلع الأسبوع الماضي، نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية مقالاً بعنوان «سوريا، موت وطن». وعلى غلاف العدد، وضعت المجلة رسماً من ثلاثة أسطر يُعبّر عن دمار سوريا بشكلٍ تدريجي وصولاً نحو الخراب الكامل. بعدها بأيام،...