تحولات تتبع الحرب

تأثير الحرب الأوكرانية على الاقتصاد العالمي كبير خاصة التضخم الذي يفرض عمليا على المصرف المركزي الأميركي رفع الفوائد على حساب النمو وأسعار الأصول. هنالك تغيير في القرارات الداخلية الغربية خاصة المالية الذي يظهر جليا في الموازنات الجديدة. هنالك انفاق سيتزايد على النشاطات الحربية. قررت ألمانيا مثلا اضافة 100 مليار يورو على انفاقها العسكري والدول الأخرى تحاول جاهدة تحقيق بعض الاضاقات. هنالك موضوع النازحين الذي يقلق لأنه ليس مشكلة آنية بل ربما دائمة. هنالك ضرورة لمساعدة الدول المستقبلة كرومانيا وبولندا كي تبقى صامدة في وجه الحاجات الكبيرة الانسانية والصحية والاسكانية. أما مشكلة اللاجئين فهي كبيرة بالرغم من التعاون الواضح لدول الجوار. بعض الدول الأوروبية عمل بقوة لاستيعاب العمالة الأوكرانية وأمن لها فرص عمل بعد تمكينهم لغويا. ألمانيا مثلا عرضت 300 ألف فرصة عمل للأوكرانيين في قطاعات عدة. البرتغال دربت الأوكرانيين على اللغة وتعرض فرص عمل، كذلك تشيكيا التي عرضت 364 ألف فرصة. هنالك تحولات مهمة في الاقتصاد الدولي نتيجة الحرب الأوكرانية. الاقتصادي "أرثر لويس" الذي حاز على جائزة نوبل للاقتصاد يقسم كل اقتصاد نام الى جزأين صغير منتج ومتقدم، وآخر كبير متأخر وذو انتاجية متدنية. الاقتصاد المتطور هو متجانس وذو طبيعة واحدة وهذا تغير اليوم، إذ إن العديد من الاقتصادات الصناعية أصبح يعتبر ناميا من ناحية هيكلياتها الداخلية. هنالك في رأي الاقتصادي "بيتر تيمين" مناطق متطورة وأخرى متخلفة داخل الاقتصادات الصناعية بما فيها في الولايات المتحدة. يتكلم الاقتصاديون عن التقارب بين الدول المتقدمة والنامية، أي نسب نمو قليلة للمتقدمة وعالية للنامية مما يسمح مع الوقت للتلاقي وهذا ما حدث في فترات سابقة. أما اليوم، فمن المتوقع أن يحصل التلاقي لكن على نسب نمو متدنية وربما سلبية بسبب انحدار كل الاقتصادات كما توقع صندوق النقد. كل الدول تعاني من نفس المشاكل ولم يعد ما يميز الغني عن الفقير. تبقى هنالك مشكلة مهمة يمكن أن تعرقل كل شيء وهي توقعات المواطنين التي هي عموما سلبية. مهما حاولت حكومات الدول تنفيذ سياسات حكيمة وصحيحة، ستفشل اذا اعتقد المواطن العكس. هنا تكمن ضرورة تفسير السياسات للمواطنين قبل وضعها موضع التنفيذ. مثلا اذا قررت الحكومة زيادة الانفاق لتشجيع المواطنين على رفع مستوى المعيشة، يمكن أن يحصل العكس تماما اذا اعتقد المواطنون ان رفع الانفاق يؤدي الى ديون عامة مستقبلية عالية وبالتالي لا ينفقون فتعود الأمور الى الوراء. نفس الموضوع بالنسبة للسياسة النقدية حيث إن رفع الفوائد يجب أن يؤدي الى لجم التضخم وهذا منطقي. الا أن توقعات المواطنين يمكن أن تفشل هذه العلاقة، بحيث يرفع المركزي الفائدة فيستمر المواطن في الاقتراض خوفا من مستويات فائدة أعلى وبالتالي يرتفع مؤشر التضخم. السياسات الاقتصادية أصبحت اليوم معقدة أكثر من أي وقت مضى وتتطلب مشاركة أكبر من قبل المواطن لغاية الانجاح.