قراءة اقتصادية في «إبداعات زها حديد»

يحتار من يكتب عن إبداعات المعمارية العربية زها حديد من أين يبدأ عنها في الكتابة، فلم تكن أعمال المعمارية بنت بلاد الرافدين المعمارية، مجرد أعمال عادية أو حتى مشابهة لأعمال متميزة أو مقلدة لبعض أعمال المشاهير في مجالات الفن والعمارة وإنما كانت أعمالا يمتزج فيها جمال الخيال مع واقعية الحياة المعاصرة، مسيرتها الإبداعية تمتد لتسعة وثلاثين عاما من عام 1977 وهو العام الذي تخرجت فيه إلى أن وافتها المنية في عام 2016 م حيث ولدت في بغداد في أكتوبر 1950 وتوفيت في مارس 2016 عن عمر يناهز الخمس وستين عاما بعد رحلة حياة عامرة بالكفاح والاجتهاد والعطاء الإنساني المتدفق ويبدو أنها قد تأثرت في فكرها المعماري، بالاقتصادي النمساوي الشهير جوزيف شومبيتر صاحب نظرية الابتكار في المنظومة التطويرية للاقتصاد، حيث يرى أن التطور الابتكاري لا يتحقق إلا بتقديم كل ما هو جديد وبمستوى جودة غير مسبوق، فكان فكرها المعماري الإبداعي وأعمالها على أرض الواقع تمثل نموذجاً مثالياً دائما لقيم الجمال حيث كانت زها حديد، مولعة بالجمال، فكان المحرك الأول الذي يسير لها الإبداع في كل أعمالها والتي لاتزال وستظل شاهدة عليه ماثلة في كل صوب وحدب في أرجاء المعمورة؟، اجتمعت لديها ثقافات علمية متعددة، جمعت ما بين علم الرياضيات وفن العمارة، وقد وضح تأثرها بعلم الرياضيات في أعمالها الإبداعية حتى يخيل للكثير عند مشاهدة هذه الأعمال بأنه أمام متواليات ومصفوفات عددية جميلة وتراكيب إبداعية منمقه، يقف الإنسان حائرا عن وصفها حيث تدفق المعاني المستوحاة بخلاف ما يحيط بهذه الأعمال من أشكال هندسية بديعة، كما مكنتها ثقافتها اللغوية وإجادتها لأكثر من لغة أجنبية إلى الاستفادة من الجامعات الغربية المرموقة حيث الأبحاث العلمية والإنتاج الفكري والإبداعي المعتبر وكذلك البيئة المناسبة للبحث العلمي الجاد في مختلف المجالات، هذا فضلا عن ثقافتها الإسلامية والعربية والحضارية وتفاعلها الواقعي مع الفكر المعماري الحديث، في ضوء الاقتصاد الرقمي والمعرفي، تميزت أعمالها بمسايرة العصر وكذلك بالاستخدام الوظيفي الأمثل لكل مساحات المشروع مع عدم إغفال العنصر الجمالي، كما تميزت أعمالها، بالخيال والمثالية حتى شبه البعض أعمالها بسفن الفضاء التي تسبح دون تأثير يذكر للجاذبية الأرضية في فضاء مترامي الأطراف من أهم أعمالها الإبداعية المسجد الكبير وكذلك محطة قطار الإنفاق في ستراسبورغ ومتحف الفنون الإسلامية في الدوحة ومركز الفنون الحديثة في روما ومرسى السفن في باليرمو في صقلية بإيطاليا وكذلك محطة إطفاء الحريق في ألمانيا وكذلك مبنى شركة بي إم دبليو المركزي وكذلك مركز حيدر عليف في باكو عاصمة أذربيجان وغيرها الكثير من الأعمال التي يشار إليها بالبنان تبوأت أعلى درجات السلم الاستشاري في التصاميم المعمارية، كما تسابقت أكبر الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ودول العالم المختلفة على دعوتها للتدريس بها، عملت كأستاذ كرسي وزائر في جامعات هارفارد وشيكاغو وهامبورغ وأوهايو وكولومبيا ونيويورك وغيرها، زها حديد تمثل وبحق مدرسة علمية حديثة في فنون العمارة والإبداع حصلت على العديد من الجوائز العالمية والأوسمة منها وسام التقدير من الملكة البريطانية. رحم الله زها حديد رحمة واسعة جزاء لما قدمته للبشرية من أعمال متميزة ستظل أبد الدهر محفورة في عقول وقلوب كل المتذوقين للجمال والإبداع في العالم بأسره.