فاز فلاديمير بوتين بولاية جديدة على رأس روسيا الاتحادية، ويبدو أن التحدي الأبرز خلال هذه المرحلة هو اقتصادي بامتياز. فبعد أن أعاد بريق روسيا سياسيا ودبلومسيا، وزاد نفوذها العسكري في العالم خاصة إبان الأزمة السورية، بقي الاقتصاد بمثابة كعب أخيل ما زال بوتين يتعرض لانتقادات واسعة بسببه. فكيف لدولة قوية ومحورية في العالم أن تحقق ناتجا داخليا خاما يعادل الناتج الداخلي لإسبانيا؟ وكيف لدولة لها مقدرات بشرية وموارد طبيعية هائلة من نفط وغاز لم تستفد من الفترة الذهبية لارتفاع أسعارهما في السوق العالمية ما بين 2002 و2013؟ وبأي أدوات يمكن لروسيا مجابهة الولايات المتحدة الأمريكية من حيث التنافسية والإنتاجية الاقتصادية؟ كلها أسئلة مشروعة يدرك صانع القرار الروسي أنه على الرغم من التحجج بالعقوبات الاقتصادية التي فرضت على روسيا والتي تسببت في إنهاك الاقتصاد الروسي، خاصة من خلال خفض ناتجها الخام بما يعادل 10 % سنويا وارتفاع معدل التضخم إلى 7 % الأمر الذي أثر جليا على القدرة الشرائية للروس وجودة الحياة. فالكل يتذكر التصريح الشهير للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي قال فيه إن العقوبات أعجزت شريان الاقتصاد الروسي، علاوة على انخفاض أسعار النفط الذي أضعف إيرادات الدولة في مقابل مضاعفة إنفاقها العسكري. ومع كل ما ذُكِر، يتضح أن الاقتصاد الروسي عانى من تضييع فرص هائلة للنمو جعلت معدلات الفقر في ازدياد مطرد فعدد الفقراء اليوم في روسيا يتجاوز 20 مليون مواطن بما يفوق 15 % من نسبة السكان. كما تبرز إشكالية نقص اليد العاملة مع تراجع اليد العاملة وهنا يسعى بوتين خلال المرحلة المقبلة إلى تخصيص نحو 60 مليار دولار لدعم الأمومة والطفولة في الأعوام الستة المقبلة، وذلك بزيادة نسبتها 40% مقارنة بولايته المنتهية. بالإضافة إلى برنامج إصلاح التقاعد حيث إن سن التقاعد في روسيا هو 55 للنساء و60 للرجال، وهو من بين الأقل في العالم، ومع انخفاض عدد السكان، يمثل هذا النظام عبئا متزايداً على الميزانية العامة. وفي ذات النطاق، تجسد مسألة جلب الاستثمارات الحلقة العسيرة في برنامج بوتين الاقتصادي، فمناخ الأعمال يعاني من بيروقراطية مقيتة وتضخم القطاع العام ولا تبذل مجهودات كافية لجلب استثمارات أجنبية مباشرة مع تعدد الخلافات السياسية واستمرار العقوبات الاقتصادية في ظل تأخر تكنولوجي يعيق مسارات التنمية. يتبين أن "إرث النظام السوفييتي" ما زال حاضرا في دهاليز الاقتصاد الروسي وأن تغليب الهاجس السياسي والعسكري على المشروع التنموي والاقتصادي يؤدي إلى انعدام الكفاءة وضعف الأداء، فتحقيق هدف بوتين في تثبيت روسيا ضمن أكبر 5 اقتصادات في العالم يحتاج بكل تأكيد إلى مجهود سياسي كبير وتجنب الوقوع في فخ العقوبات التي تظل ترافقه، وربما الأزمة الدبلوماسية مؤخرا مع بريطانيا قد تزيد الوضع تأزما.