فوضى أسواق النقد

التقلبات النقدية يمكن أن تكون خطرة، بل مضرة للاقتصادات المحلية والدولية. تختار الدول عموما بين سعر الصرف الثابت والحر. في الحر، يتحرك سعر الصرف استيعابا لكافة محركات العرض والطلب ويتم التركيز على الأمور الأهم في الاقتصاد الحقيقي. في السعر الثابت، يجهد المصرف المركزي للحفاظ عليه عبر التدخل في أسواق الصرف وينعكس هذا الواقع على الاقتصاد الحقيقي الذي يمكن أن يظلم عندها. سعر الصرف الحر يستوعب الخضات الخارجية ويترك الاقتصاد الحقيقي في صحة أفضل. لكن الخيار يكون دائما عبر المؤسسات التي تستطيع تحمل واقع ما أكثر من غيره. هنالك طبعا أنظمة أخرى مختلفة جربتها دول عدة، منها تنجح وأخرى تفشل. حتما ليس هنالك نظام نقدي فاضل لكل الأوقات والظروف. يرتكز الاستقرار المالي العالمي على التعاون بين الدول والمؤسسات مما يساهم في رفع مستويات النمو. هذا مهم في كل الظروف وخاصة في الفترات الصعبة التي نعيش فيها. هنالك واقع وهو زيادة الترابط بين الأسواق المالية العالمية نتيجة زيادة الحركة التجارية وانخفاض الرقابة على تحركات رؤوس الأموال، كما نتيجة تطور ونمو الأسواق الإقليمية والمحلية. لا ننكر أبدا التقدم التكنولوجي الحاصل في الاتصالات التي تستفيد منه إلى أقصى الحدود الأسواق المالية والنقدية العالمية. هذا التطور قرب المسافات وعزز التواصل، كما زاد من الخطورة والمنافع. هذه التقلبات هي أصلا أحد أهم أسباب إنشاء صندوق النقد الدولي منذ اتفاقية «بروتون وودز» بعد الحرب العالمية الثانية. هنالك فارق كبير بين سعر الصرف الحر المفيد جدا من الناحيتين المبدئية والتطبيقية وبين التقلبات الكبيرة في الاتجاهين التي تحصل لأسباب ليست بالضرورة كلها اقتصادية. تؤثر التقلبات النقدية القوية على الاستقرار الاقتصادي وبشكل خاص على التجارة الخارجية التي تعتمد بشكل كبير على أسعار الصرف الواقعية التي من المفروض أن تعكس قوة الاقتصادات. نقد قوي لاقتصاد ضعيف لن يستمر إلا عبر دعم العملة الوطنية وهذا مكلف جدا. نقد ضعيف لاقتصاد قوي هدفه تقوية الصادرات وأذية الاقتصادات الأخرى. هذا لا يدوم طويلا لأن المنافسة ستحتج أو تخفض هي عملتها، وبالتالي يقع العالم في حرب نقدية مضرة للجميع. تمت ممارسة الحروب النقدية داخل أوروبا وخارجها وتأذى الجميع، فسبب ادخال النقد الواحد أي اليورو. حتى سنة 2008، كانت أسعار الصرف تتحرك دون أن تضر بالاقتصاد العالمي. طبعا تتدخل المصارف المركزية بالاتجاه نفسه لجعل تحرك العملات لا يتعدى حدودا معينة مدروسة. لا شك أن صندوق النقد يقوم بالتواصل بل بالتنسيق بين المصارف المركزية الأساسية منعا لأي خضات كبرى. إبقاء أسعار الصرف ضمن حدود مقبولة يسمح للمؤسسات الأخرى من وزارة مال واقتصاد وغيرها من الوزارات القطاعية بالاهتمام بالشؤون الداخلية كالمنافسة والتضخم والبطالة والنمو والفقر والتنمية. بعد 2008، تغيرت الأوضاع العالمية التي يمكن وصفها بالعجز التجاري الكبير وعدم الاستقرار المالي والفوضى في معالجة أمراض الدول الداخلية كما العلاقات فيما بينها.