السترات الصفر في فرنسا.. احتجاج على العولمة الاقتصادية 1 - 2

منذ أسابيع وآلاف الفرنسيين ينزلون إلى الشوارع احتجاجا على ارتفاع الأسعار والضرائب، في إطار حركة انطلقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحت مسمى السترات الصفر استطاعت أن تحشد الشعب الفرنسي ليس فقط ضد قرارات اقتصادية واجتماعية مجحفة، بل ذهبت حتى المطالبة بإسقاط النظام. تأتي احتجاجات حركة السترات الصفر في سياق اقتصادي صعب بفرنسا، فالبلد يعاني من ركود كبير منذ الأزمة المالية لسنة 2008 حيث لم يستطع تجاوز 1.5 %كمعدل نمو مع وجود ستة ملايين عاطل وعشرة ملايين فقير، علاوة على عجز متفاقم في المديونية وصل إلى 100% من الناتج الداخلي الخام. كلها مؤشرات إذن تدل على تأزم الوضع الاجتماعي الداخلي وخسارة فرنسا لتنافسيتها ونفوذها الاقتصادي أمام اقتصادات صاعدة. أصبح ماكرون أمام وضع صعب، فعلى الرغم من فوزه بالانتخابات الرئاسية بنسبة كبيرة وحصول حزبه الجمهورية إلى الأمام على أغلبية برلمانية مريحة أضعفت المعارضة السياسية وجعلته في مرمى النار بمواجهة الشارع مباشرة الذي أصبح يطالب برحيل الرئيس الشاب. فقد أعلن ماكرون التراجع عن زيادات المحروقات وهو قرار تكتيكي أريد منه تجاوز الاحتجاجات وتمرير الاستحقاقات الانتخابية الأوروبية لعام 2019، إلا أن رد الشارع كان أقوى وأصبحت الاحتجاجات أكثر زخما وسخطا ليس فقط على الرئيس الفرنسي، ولكن كذلك على السياحة السياسية الفرنسية بمختلف طوائفها. ويرى العديد من المحللين أن الإصلاحات التي اتخذها الرئيس الفرنسي ضرورية حتى تتحول فرنسا إلى دولة نيوليبرالية وتتجاوز أزماتها، وهو أمر غير ممكن إلّا مع تغيير الطبيعة الاشتراكية للدولة التي تركز على نظام الرعاية الاجتماعية. لذلك يبقى ماكرون شجاعاً ما دام لجأ إلى خيار قاسٍ لم يلجأ إليه رؤساء سابقون خوفاً من الاحتقان الشعبي. وكان ماكرون قد التقى بممثلي النقابات العمالية وأرباب الشركات، إضافة إلى قوى من المجتمع المدني، الذين جاؤوا لنقل مطالب المحتجين بعدما رفض ممثلو السترات الصفراء تلبية الدعوة. كما أقام الوزير الأول إدوارد فيليب جلسات حوار مع ممثلي الأحزاب الفرنسية والتي أكدت ضرورة اتخاذ الرئيس لإجراءات قوية وعاجلة قادرة على تهدئة الشارع مع ضرورة العمل على عقد اجتماعي جديد يؤطر الديموقراطية الفرنسية ويتماشى مع المتطلبات الاقتصادية للقرن الواحد والعشرين. وبدت الأمور في اتجاه تنازل الرئيس عن مجموعة من الإجراءات وتقديم محفزات وعطايا اجتماعية لاحتواء الحراك خاصة مع تراجع شعبيته ووضع حد لهذه الأزمة التي باتت تهدد ولايته وشرعيته رئيسا منتخبا بعدما توالت المطالب سياسيا وشعبيا باستقالته وبرحيل حكومته.