كنت قبل أشهر قليلة في جولة سياحية برفقة أسرتي إلى محافظة الداخلية، بدأتها بزيارة قرية "بركة الموز" التابعة إداريا لولاية نزوى. أخذتنا أقدامنا مباشرة إلى حارة السيباني الأثرية، والتي تعد واحدة من ضمن مئات الحارات القديمة التي تحتشد بها مدن وقرى السلطنة، بأبراجها وبواباتها ومنازلها التي تتراوح بين طابق وثلاثة طوابق، وأزقتها الضيقة ومرافقها من مساجد وأسواق وأفلاج ومجالس ومدارس، وتشكل في مجملها ثروة تاريخية وسياحية ثمينة، فيما لو تم الاهتمام بها، بترميمها على ذات النمط القديم والحفاظ على تصميمها المعماري التاريخي، وهيأت لتكون مقصدا للسياح ووفرت فيها الخدمات التي تحتاجها كالمقاهي الحديثة والمطاعم والنزل، واللمسات الجمالية التي تبهج النفس، والأكشاك التي تبيع منتجات وصناعات الحرف الوطنية والحلوى العمانية، وتنظيم الأمسيات الثقافية وعرض الفنون والأهازيج الشعبية.. وهو ما تنبهت له مجموعة من الشباب العمانيين في محافظة الداخلية خاصة، فسارعت إلى استثمار هذه الحارات سياحيا والاستفادة من قيمتها التاريخية والحضارية. حارة السيباني القديمة، التي "أعيد بناؤها في القرنين السابع والثامن عشر، ولا يعرف تاريخ تأسيسها القديم الذي لا شك بأنه غارق في الماضي السحيق، أسست على تلة صخرية ناتئة بفعل التضاريس الطبيعية من أحضان الجبل الأخضر وما زالت جذورها متشبثة بتلابيبه، وتطل على بساتين قرية بركة الموز العامرة بغابات النخيل وأشجار الحمضيات والموز والمانجو، وينساب فلج الخطمين بين وأمام البيوت القديمة وفي أزقتها لكي يمد الحياة لكل منزل ومرفق وأسرة فيها، وتنسكب مياهه بعد ذلك إلى الطبقات السفلى ليسقي الشجر والزرع والطير وكل محتاج إلى الماء". وقد تم استثمار أحد بيوتها التراثية الفسيحة "بيت الصباح" الذي يتكون من ثلاثة طوابق وترميمه بذات الهيئة والنمط القديمين، وأضيفت عليه الكثير من اللمسات الفنية والجمالية المحفزة على تكرار زيارته مرات، وتحويله إلى نزل ومقهى حديث يقدم المشروبات وشطائر الحلوى والكيك بأنواعها، وما يبهج النفس أن جميع من يعمل في صناعة المشروبات وتسجيل وتقديم الطلبات والمحاسبة وغيرها هم من الشباب العمانيين، وقد ساهمت هذه الخطوة والترويج للمقهى في وسائل التواصل، في تنشيط السياحة وارتفاع عدد زوار حارة السيباني، وقد شاهدت بنفسي أفواجا من السياح بين مغادر وقادم والمقهى الذي فرشت مقاعده وطاولاته على مساحات واسعة في سطح الطابق الأول والثاني والثالث تكاد تكون ممتلئة ما يؤكد على نجاح هذه التجارب في توفير وظائف ودخول جيدة للعمانيين الباحثين عن عمل من جهة، وتشجع السياحة وتنوع مصادر الدخل من جهة أخرى. من ضمن مشاهداتي في تلك الزيارة تزويد بعض الفتيات العمانيات المقهى بصواني الكيك بأنواعه، كيك التمر والزعفران والفستق الذي يصنعنه في منازل أسرهن. وفي مصطبة البوابة الرئيسية للحارة التي تم ترميمها كذلك، استثمر فتى صغير المكان لعرض بعض منتجات الحرف اليدوية والكتب والحلويات، وقد شجعته على العمل وتنبأت له قائلا بأنك ستصبح "تاجرا كبيرا في المستقبل"، في تأكيد على أنه -أي المقهى- سر تحول المكان من خمود وسكون إلى نشاط وحركة دؤوبة أصبح كذلك يدر دخلا على أسر أخرى استفادت من النشاط السياحي ومن عدد المرتادين إلى المكان، فالنشاط الواحد يولد أنشطة أخرى ووظائف جديدة.