استمرار الثقة بالدولار

 تعاني الولايات المتحدة من عجز في ميزان الحساب الجاري وصل إلى 4 % من الناتج في 2021، مما يعني أنها تحتاج للاقتراض من الخارج لتمويل استهلاكها واستثماراتها. نظريا، إذا لم تخفض الولايات المتحدة هذا العجز، لا بد للدولار من أن ينهار في الأسواق وهذا ما لم يحصل. البطالة الأمريكية وصلت إلى 7 % في 2020 لكنها انخفضت إلى 4,4 % في 2021. أما العجز المالي فوصل إلى 15 % من الناتج في كل من 2020 و2021 ومن المتوقع أن ينحدر هذه السنة إلى النصف نتيجة التقشف وتحسن الأوضاع الاقتصادية. أما التضخم فيعود إلى فوق 7 % بين يناير 2021 و2022. تغيرت نسبة الدين العام من الناتج من 52 % في سنة 1960 إلى 35 % في 1980 إلى 56 % في سنة 2000 وإلى 105 % اليوم. بلغ عجز الميزان التجاري 911 مليار دولار في 2020. أما نمو الاقتصاد الأمريكي فتحول من سلبي 3,5 % في 2020 إلى إيجابي 7 % في 2021. نتائج الكورونا على الشعب سيئة تبعا لعدد الإصابات والأموات. هذه الوقائع المتأرجحة بين السلبي والمقبول لم تغير تعلق الناس بالدولار لأن الثقة به لا تعود فقط إلى العوامل النقدية والمالية والاقتصادية بل إلى المؤسسات والقوانين التي تقوم عليها أمريكا. واقعا يتكلم الأمريكيون عن حكم القانون الذي هو فوق الإنسان حتى فوق رئيس الدولة. يتكلمون عن الحريات والقدرة على النجاح في الأسواق والأعمال كما القدرة على الاندماج السريع في المجتمع. هل يستمر الدولار في لعب الدور النقدي الأول؟ ما هي المخاطر التي يمكن أن يواجهها؟ هنالك عدة عوامل مؤثرة. الصراع السياسي حول الموازنة والإنفاق العام والإغلاق الإداري وكيفية تحسين العلاقات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري مهم جدا. أما التخبط في معالجة وباء الكورونا فسيبقى طويلا في ذاكرة العالم والأمريكيين. الانقسام السياسي كبير على الأمور المهمة وليس على التفاصيل. تنقسم الولايات المتحدة عموديا حول الأفكار المتداولة من مؤامرات عليها، تعيد إلى الواجهة الشعور العنصري والجنسي والمناطقي والديني وكلها خطرة. يحاول الرئيس بايدن تحسين العلاقات الداخلية لكن الفجوة عميقة. كيف يمكن للولايات المتحدة أن تشجع الدول النامية والناشئة على الديمقراطية وتبادل السلطات والمراكز عندما تتعثر هذه الأمور داخلها؟ أما الأوضاع الأمريكية الحالية فتعطي فرصا كبيرة للمنافسات النقدية النائمة التي ستتأهل جديا لمواجهة الدولار، بينها العملات الرقمية التي تبرز إلى الواجهة بالرغم من تقلباتها. أما السياسات التي مورست خلال فترة الرئيس ترامب فأضرت بالولايات المتحدة كنموذج عالمي للانفتاح والنمو. طبعا ليس هنالك إجماع حول الموضوع، إنما الدراسات لم تنته بعد والمهم أنها تجري بهدوء لتقييمه موضوعيا. ماذا تعني عمليا هذه التفسيرات للمستثمرين؟ الهروب من الدولار واللجوء إلى العملات الأخرى؟ النصيحة الأكيدة هو تنويع النقد والأصول وعدم التركيز على الدولار. العالم متقلب وأي نقد فردي لن يكون آمنا وبالتالي تنويع المحفظة الاستثمارية ضروري.