تعتبر ظاهرة الفساد الإداري والمالي ظاهرة عالمية لا تقتصر على مجتمع أو نظام سياسي معين، سواء كان ذلك مجتمعا متقدما أو ناميا فقيرا. فهذه الظاهرة وباء شديد الانتشار يتنوع شكلا ولونا حسب البيئة الحاضنة له وحسب الدواء المستخدم لمعالجته ومدى الحسم الذي يتعامل به النظام الحاكم للقضاء عليه. فكلما كان الدواء أو التدابير والإجراءات الخاصة فعالة كلما كان هذا الوباء أقل انتشارا وأقل خطورة إلا أنه وبحكم التجارب الدولية لا يمكن القضاء عليه بالكامل. فليس هناك مجتمع أو بلد يخلو من المفسدين، ولا يوجد مجتمع به صفة العصمة بحيث ينعدم فيه النهب والاختلاس، وليست هناك مدينة فاضلة ملكوتية باستثناء مدينة أفلاطون، فالخيال يتسع إلى أكبر من ذلك. ومن يدعي العصمة في بلده أو نظامه وينكر أي شكل من أشكال الفساد فهو إما جاهل أو فاسد يحمي المفسدين ويرعى الفساد. في الأمم المتحدة، وهي أعلى سلطة أممية مليئة بالخبراء والشخصيات المرموقة، وجهَت تهمة استخدام المنصب الدبلوماسي في تحقيق الربح السريع إلى الرئيس السابق للأمم المتحدة وسفيرها في أنتبغوا وبرمودا. وفي الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، وهو أعلى سلطة دولية لهذه اللعبة وجّهِت تهمة الفساد وتقاضي الرشاوى إلى أكثر من 16 مسؤولاً ويأتي على رأسهم رئيس الفيفا السابق جوزيف بلاتر ورئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الفرنسي ميتشيل بلاتيني. وفي نيجيريا تم اكتشاف عمليات فساد ونهب تقدر قيمتها بـ 150 بليون دولار. وفي ماليزيا أيضا نشرت صحيفة وول ستريت في يوليو عام 2015 تقريراً كشف أن 700 مليون دولار تمت سرقتها من أموال الدولة من قبَل رئيس وزرائها نجيب عبد الرزاق حيث تم نقلها إلى حسابه المصرفي. بالإضافة إلى ذلك هناك رؤساء دول ووزراء أو من كانوا يسمون بالفخامة من دول مختلفة خالدون في السجون أو أبعدوا عن مناصبهم السياسية بعد التشهير بهم بسبب نهبهم للمال العام وممتلكات الدولة. وكثير من قضايا الفساد المالي لا تزال تشغل المحاكم في دول عدة حيث عجز القضاء عن الكشف عن كل خيوطها أو التعرف على المدبر والمتهم الحقيقي الذي عادة ما يكون في منصب بارز وصاحب مسؤوليات واسعة يصعب الكشف عن هويته. إنه ولخطورة هذا الوباء تبنت جميع البلدان سياسات وقوانين وأنشأت مؤسسات ومحاكم خاصة لمكافحة الفساد والمفسدين. الفرق بين تلك الدول هو الفعالية والجدية والصرامة في مكافحة الفساد الإداري. فكثير من تلك القوانين والمؤسسات في الدول الأكثر فساداً إما أنها غير فعالة أو أن بعضها وجد فقط لتلميع الصورة الدولية لتلك البلدان أو الأنظمة. إنه وفي ظل غياب الرقابة الفعالة والمؤسسات التشريعية المناسبة والقضاء المستقل يتكيف المفسدون بمختلف أساليب النهب والاختلاس فيتلاعبون بالقوانين كيفما شاءوا فعندها ينخر الفساد جميع أجهزة الدولة ويصبح الاقتصاد الوطني ضعيفا لا ينمو نموا فعليا ويعجز عن تحقيق أبسط الأهداف الإستراتيجية وهي العدالة الاجتماعية، حيث تهيمن فئة قليلة من المجتمع على النسبة الأكبر من الثروة الوطنية والدخل القومي وتكون تلك الفئة صاحبة القرار الفعلي والمؤثرة على كثير من القرارات الإستراتيجية للدولة، أما بقية فئات المجتمع فيكون نصيبها جزءا من فضلات أصحاب الأموال المختلسة. إن أكثر أنواع الفساد خطورة على التنمية الاقتصادية وأكثرها ضررا بالمجتمع هو عندما تكون الدولة ومؤسساتها الإدارية بأكملها غارقة في وحل الفساد، عندها يكون المفسد المختلس للمال العام هو المسؤول وهو الكريم المتبرع العطوف الذي يلجأ إليه المحتاجون والفقراء ليحصلوا على فتات نعمه فعندها يكون معدل النمو الاقتصادي المستهدف هو معدل نمو ثروات المفسدين.