


عدد المقالات 80
البحث في مكتبتي عن كتابٍ ما هو بمثابة الأشغال الشاقة في سجون مصر! فقد كنتُ ليلة أبحث عن كتابٍ يتحدث عن الأديان، وكنتُ احتجتُ إليه حاجة شديدة، فوقعت على كتابٍ لم يخطر لي على بال.. هذا الكتاب كان رفيقي عندما كنتُ في السابعة عشرة من عمري، اسمه (معالم الأدب العربي في العصر الحديث) للأديب العالم عمر فرّوخ (1906 – 1987م) رحمه الله، فقعدت على الأرض أستذكر الماضي، وغبتُ عن نفسي ومن حولي. هذا الكتاب من أروع كتب الأدب، ولست أستطيع الآن الحديث عنه مفصلاً، وإنما سأذكر ما كان يهزني من أبياتٍ شعرية فيه، كنتُ من شدة إعجابي ببعضها أحفظها في ذلك السنِّ، أما اليوم فأعاني من الكسل والضجر. من روائع ما جاء فيه، من قصيدة منصور خطيب السقيفة الدمشقي 914 هـ: يا خليلي خِلَّتي هجرتني ** وأذابتْ بالهجر منها وجودي بلِّغاها بعد السلام سَقامي ** ثم قولا حِنِّي عليه وجودي! وفيه أيضاً رائعة الأديب العالم: عبد الله بن عمر بامخرمة 972هـ: قالتْ لأترابها لما عرضتُ لها ** يوماً، وقد بَرَزَتْ في الحلْي والحُلَلِ بالله، أفْصِحْنَ: مَنْ هذا؟ فقُلْنَ لها: ** صَبٌّ يَهيمُ بِذاتِ الغُنْج والكَحَلِ قالت: أتعرِفْنَ مَن يهوى؟! فقلنَ لها: ** نعمْ. عَرَفْنا حماهُ الله من عِلَل! قالت وقد عَرَفتْ أنْ قد فَطِنَّ لها! ** تَزْوَرُّ عنهنَّ في لُطفٍ وفي خَجَل! اكْتُمْنَ حُبّيَ إنّي قد شَغُفْتُ به ** وقد غدا القُربُ منه منتهى أملي! ومن جواهر شعر الصوفي العجيب علي بن صدقة الحلبي 953هـ: لما رأيتُ البيضَ قد جُرِّدتْ ** ناديتُ فيهم يا لسودُ العيون الخالبات الجالبات الهوى ** الفاتكات الفاترات الجفون فيا ظِبا البانِ كفا بالظُّبا ** جَرَّحْتُمُ قلبي فلا تقتلون ويا وشاة الحبِّ ذي أدمعي ** ما قد جرى يُملي فلا تكتبونْ أتعذلوني؟ لو عرفتم لما ** كنتم وحق الله لي تعذلونْ أهلة في الْخُمر لما بدَتْ ** قالتْ بدورُ التَّمِ منها استرونْ ما في سواد العين إلا همُ ** وغيرُهم ما في السويدا يكونْ يهونُ بذلُ الروحِ في حُبِّهم ** وكلُّ صعبٍ في هواهم يهونْ ومما كنت أردده كثيراً أبيات لجلال الدين بن هبة الله 916هـ وهي(مُخمّسة): غبتمْ فطرفي من الهِجران ما غمضا ** ولم أجد عنكمُ لي في الهوى عِوضا فيا عذولاً بفرط اللّوم قد نهضا ** للعاشقين بأحكام الغرام رضا! فلا تكن يا فتى بالعذل معترضا ** أنا الوفي بعهد ليس ينتقضُ وإن همُ نقضوا عهدي وإن رفضوا ** فقلت لما بقتلي بالأسى فرضوا روحي الفداءُ لأحبابي وإن نقضوا ** عهدَ الوفاء الذي للعهد ما نقضا ومن أجمل ما فيها: أحبابَنا ليس لي عن عطفكم بدلُ ** وعن غرامي ووجدي لست أنتقلُ يا سائلي عن أحبّائي وقد رحلوا ** قفْ واستمعْ سِيرة الصَّبِّ الذي قتلوا فماتَ في حُبّهم لم يبلغ الغرضا ** قد حمّلوه غراماً فوق ما يسعُ! وعذّبوا قلبَه هجراً وما انتفعوا ** دعوا أجابَ تَوَالى سُهدُه هجعوا رأى فحبَّ فرامَ الصَّبرَ فامتنعوا ** فسامَ صبراً فأعيا نيلَه فقضى! ما أعذبها!. إلى اللقاء!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...