توقيت الهدنة التجارية.. ولماذا الآن؟

لم يعد يخفى على أحد ما يحدث ما بين الولايات المتحدة والصين من صراع تجاري منذ عام 2018 عبر فرض رسوم جمركية متبادلة بين الدولتين باختلاف حجم الرسوم الذي بدأ يتصاعد بشكل تدريجي ما بين الطرفين إلى أن وصل إلى حرب عملات بشكل غير مباشر ومحاربة الولايات المتحدة لصناعة التكنولوجيا في الصين «هواوي»، وأدى هذا الصراع التجاري إلى حالة من الفوضى التجارية في العالم، فالولايات المتحدة باعتبارهما أكبر اقتصادين في العالم.. إذن فهو صراع الكبار وعلى الصغار أن يتحملوا نتيجة هذا الصراع ولكن لماذا اتفق الطرفان الآن على هذه الهدنة؟ إجابتي عن هذا السؤال بشكل مبسط، فيوجد أكثر من عامل لكلا الطرفين ولكن المؤكد هو أنه لا يوجد شيء يحدث في الاقتصاد أو السياسة صدفة أو اعتباطا مع الدول المتقدمة وأضيف أيضا أن الاقتصاد مرتبط بالسياسة بل يعتبر الاقتصاد المحرك الأساسي في الكثير من الملفات السياسية مؤخرا. الولايات المتحدة: كان هدف ترامب منذ حملته الانتخابية هو خفض العجز التجاري مع الصين الذي يصل إلى 350 مليار دولار تقريبا وحاول جاهدا خفضه عبر التعريفات ولكنه لم يصل إلى الهدف المرجو منه وفي خلال هذه الرحلة تكبدت بعض القطاعات الخسائر ومنها الزراعة والصناعة والعقار فنجد أن الحكومة الأمريكية قد أقرت حزم مساعدات للمزارعين بشكل متكرر الذين تضرروا من التعريفات الصينية على البضائع الأمريكية (الصين أكبر مستورد لفول الصويا الأمريكي) بالإضافة إلى حالة التذبذب التي عاشها الاقتصاد الأمريكي العام الماضي مما جعل الفيدرالي الأمريكي يتجه إلى خفض الفائدة وإلى قلقه وتخوفه من هذا التوتر التجاري، ولا نغفل اقتراب الانتخابات الأمريكية في نوفمبر 2020 وتعرض الكثير من القاعدة الجماهيرية لترامب للخسائر من الحرب التجارية، بالإضافة إلى حاله القلق داخل الحزب الجمهوري الآن بعد عملية جلسات محاكمة ترامب داخل البرلمان، فكان لابد من أن يتجه الرئيس الأمريكي إلى حالة الهدنة المؤقتة. أما في الصين فجاء تباطؤ الاقتصاد إلى أدنى مستوى منذ ثلاثة عقود (1990) وتراجع العديد من القطاعات ومنها مبيعات السيارات بنسبة 8.2% بنهاية عام 2019 (مبيعات 25.7 مليون سيارة في 2019 وهو السوق الأكبر في العالم) وهي نسبة أكبر في التراجع مقارنة بعام 2018 عند 2.8% وقطاع الصناعة الذي ظل فترة طويلة تحت مستوى 50 نقطة أي في حالة انكماش وكذلك تراجع في عمليات التصدير بل الأسوأ من ذلك توجه بعض الشركات الصينية إلى تأسيس شركات في دول أخرى مثل فيتنام للهرب من آثار التعريفات الجمركية الأمريكية مما اضطرت الحكومة إلى عمل أكثر من حزمة إنقاذ بأشكال مختلفة في 2019. لذلك كان التراجع في الأرقام الاقتصادية هو الضاغط الكبير على صناع القرار في كلا البلدين أن يدخلا في حالة هدنة، فعادة الأرقام لا تكذب وهي خير برهان وهو اختبار ثقة كل طرف للآخر في تنفيذ وعوده.