هو ذلك النهر الجاري باتجاه واحد لا رجعة فيه وهو البعد الرابع الفيزيائي في النظرية النسبية لقياس الأحداث، هو الإحساس الفردي والأهم هو الإحساس الجماعي للناس بتوالي الأحداث بشكل لا رجعة عنه، فلا ليل يرجع عن عتمته، ولا نهار يؤجل نوره، إنه الزمن الذي لا يقرض أحداً ولا يجامل إنسانا ولا جمادا، يمر على الحديد فيذره تراباً وعلى التراب فيخرج منه حياةً، وقد استوقفني في دراسة الزمن وأثرها على المصير الجمعي للشعوب والقدرة على التنبؤ في مستقبل الأمم قول ابن خلدون في مقدمته وهو «ابن خلدون الحضرمي تونسي المولد، أندلسي الأصل، أفريقي المنشأ»، حيث قال: «إن المجتمعات البشرية تسير وتمضي وفق قوانين محددة وهذه القوانين تسمح بقدر من التنبؤ بالمستقبل». وهنا أودّ الربط بين مفهوم الزمن والسلوك الجمعي ورؤية ابن خلدون بالتنبؤ بمستقبل ومصير الأمة بناء على سلوك الحاضر، فهل يمكننا التنبؤ بما سيؤول إليه حال بلداننا العربية بعد حين قريب من الزمن، وهل نحن نسير في الاتجاه الصحيح نسبيا وهل الأجيال القادمة ستكون على نحو مختلف عما نحن عليه، وللإجابة المختصرة عن ذلك فإن موقع الوطن العربي لن يختلف بين خطوط الطول والعرض ومناخه، لن يتغير كثيراً ولكن قطعاً وخلال الثلاثين سنة القادمة يختفي نصف سكانه الموجودين الآن بحكم الزمن والسن وهم نفسهم الذين يصنعون مستقبل ما بعد الثلاثين سنة، سنختفي من هذا الوجود لكن سيبقى أثرنا وما صنعناه خيراً أو غير ذلك يطارد أرواحنا والتي ستسكت المكان لكن في دور المراقب بلا حول ولا قوة، مستذكراً هنا قول سياتل «آخر قادة الهنود الحمر بعد آخر معاركه»، حيث قال إن أرواح أجدادي التي تحوم فوق هذه الأرض الطيبة لم تستطع حمايتنا من الرجل الأبيض ونحن كذلك لم نستطع. لنا في التاريخ عبرة ولنا في المستقبل نظرة والهادفين أنفسنا ذكرى، فإما أن نكون «وهنا أقصد الضمير الجمعي للأمة بعيداً عن سفهائها» على قدر المسؤولية والأمانة وإما أن نكون غثاء الحياة وهامش التاريخ. أما عن طريقة تكوين الرأي الجمعي فهو من خلال تجمع الآراء الفردية لأصحاب الرأي والفكر، وعن تكوين آرائهم وأفكارهم فهي إما أن تكون مدعومة بجغرافيا أو تاريخ أو قومية أو أيدلوجية والأهم هو تغليب الصالح العام وصوت الحق وحس المسؤولية وبذلك يكون سداد الرأي وصواب الفكر. أما رويبضة الأمة والذين لا يبصرون من الحياة إلا ما ظهر منها من أدوات العيش وسبل الملذات دون النظر إلى أهمية وهدف وجوده كإنسان ودون الاكتراث لحال الأمة، فهم من قال فيهم رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، عن أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، رواه البخاري ومسلم. وفِي الشرح جاء، ولا يتحقق ذلك إلا إذا حرص كل فرد من أفراد الأمة على مصلحة غيره حرصه على مصلحته الشخصية، وبذلك ينشأ المجتمع الإسلامي قويّ الروابط، متين الأساس. فإذا لم يكن ذلك الحرص وتلك الروح، انهار الحاضر وضاع المستقبل وانتهت الأمة، وإذا حققنا في بناء المصالح المشتركة الحقيقية على أسس العدالة والاستمرارية وصفاء الروح والنية، فلابد أن يكون المستقبل أجمل من الحاضر، ولابد أن يسود الحاضر بقيم الماضي السليمة.. وإلى صباح بعد غروب هذه تحية انتماء إلى شرفاء الأمة وإلى اللقاء.