الغاز البريطاني قادم!

بعد إنتاج الغاز الصخري الأمريكي بكميات غزيرة قبل عقد من الزمن تقريبا والذي هوى بالأسعار من 11 دولارا إلى أقل من 3 دولارات، جاء الآن دور الغاز الصخري البريطاني والذي ستترتب على إنتاجه عواقب وخيمة على أسواق الغاز الطبيعي في العالم، وذلك بحكم الكميات الكبيرة التي تحتويها أراضي المملكة المتحدة وصخورها المليئة بالغاز. ولكن لماذا الآن؟ من المعروف أن لدى بريطانيا وغيرها من البلدان الأوروبية احتياطات هائلة من الغاز، إلا أن عمليات الإنتاج إما أنها محدودة أو متوقفة أو ممنوعة، للقيود المشددة على إنتاج الغاز الصخري بسبب أضراره البيئية، فهي تستورد معظم احتياجاتها من الخارج، بما في ذلك 35% من هذه الاحتياجات من روسيا الاتحادية. في بريطانيا سبق وأن حفر حقل واحد فقط بالقرب من «بلاكبول» في «لانكستر»، إلا أن عملية التكسير والإنتاج توقفت نتيجة لتسببها في هزة أرضية أخافت سكان المنطقة، إضافة إلى تلويثها للمياه الجوفية بالكيماويات المستخدمة في عملية تكسير الصخور. في مايو الماضي وقبل شهر تقريبا من تصويتها بالخروج من الاتحاد الأوروبي عادت أسطوانة الغاز الصخري تدور من جديد، ضمن حسابات جديدة وإغراءات لسكان المناطق التي ستشملها عمليات الإنتاج، حيث نالت شركة «ثيرد إنرجي» الموافقة على حفر بئر للغاز الصخري لأول مرة منذ عام 2011، إذ من المتوقع أن تبدأ الإنتاج بشمال شرق إنجلترا قبل نهاية العام الجاري 2016. الحقيقة أن بريطانيا تملك تاريخا من التأثيرات السريعة والفعالة في أسواق الطاقة الدولية، فبالإضافة إلى امتلاكها لشركات نفطية عملاقة، فإنها فاجأت العالم في ثمانينيات القرن الماضي بزيادة إنتاجها النفطي من حقول بحر الشمال ليصل إلى أربعة ملايين برميل يوميا لتتحول معه إلى دولة منتجة للنفط وتهوي بأسعار النفط إلى أقل من 7 دولارات للبرميل في عام 1986 بعد أن ارتفع إلى 37 دولارا في بداية العقد. الآن، فإن إنتاج الغاز الطبيعي بكثافة في المملكة المتحدة سيؤدي حتما إلى إحداث تأثير شديد في سوق الغاز التي تعاني من تخمة، علما بأن بريطانيا تعتبر من مستوردي الغاز الرئيسيين في الوقت الحاضر، كما أنه ووفق الدراسات والتوقعات، فإن الطاقة المتجددة ستحتل مركز الصدارة في إنتاج الكهرباء بدلا من الغاز في عام 2025. تبقى هناك مصاعب على بريطانيا تجاوزها تتعلق بالأخص بمعارضة السكان المحليين، إذ يبدو أن رئيسة الوزراء الجديدة «تيريزا ماي» تدرس دفع تعويضات للمتضررين من مشروعات الغاز الصخري من خلال تحويل جزء من الضرائب التي ستفرض على شركات الإنتاج إلى صندوق خاص بالتعويضات يسمى «صندوق ثروة الغاز الطبيعي» سيحصل على 10% من إجمالي هذه الضرائب. إذن هناك تغيرات عميقة مرتقبة في سوق الغاز العالمي بشكل خاص وسوق الطاقة بصورة عامة في السنوات القليلة القادمة ستزيد من التعقيدات والمنافسة الحالية، أما إذا ما قررت بلدان أوروبية أخرى تمتلك كميات كبيرة من الغاز الصخري، كبولندا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى بلدان آسيوية كبرى، كالصين والهند، وكذلك غاز البحر المتوسط، فإن هذه التأثيرات العميقة لن تطال أسواق الغاز فحسب، وإنما ستغير من هيكلية أسواق الطاقة الدولية برمتها.