التضخم.. كابوس يجتاح العالم

مستويات التضخم ومشكلة الغلاء وارتفاع أسعار معظم وإن لم يكن كل المنتجات والخدمات باتت في أيامنا هذه حديثنا الدائم في الجلسات وموضوعنا المُتكرر في النقاشات المُتعددة، والتي بِتنا نعيدها ونُكررها يومياً، في العمل في المنزل وفي جميع اجتماعاتنا الدورية، فها هي الأخبار القادمة من الهند ترفع أسعار القمح، وها هي توقعات الإنتاج في الدول الآسيوية تقفز بسعر الأرز، وها هي مخاوف المنتجين تجعل من أسعار الحديد مِطرقة تضرب بها جيوب المستثمرين العقاريين وغيرها الكثير والكثير، نعم ارتفاع جنوني بالأسعار جعل من مكافحة التضخم عبر رفع أسعار الفوائد الشغل الشاغل للفيدرالي الأمريكي، قصة طويلة بدأت أولى فصولها بانتهاء أزمة كورونا وارتفاع الطلب فجأة، ليتحول إلى قنبلة موقوتة أمام سلاسل الامداد التي عجزت رغم متانتها المزعومة عن مُجاراتها، فتكسرت أمام الطلب المُتزايد لتأتي وعلى حين غُرّة الأزمة الروسية الأوكرانية وتُكمِل القصة بحرمان العالم من موارد طبيعية مُتنوعة، قدّرها البعض ولو مُبالغة ب30 % من موارد العالم، فجأة ارتفعت الأسعار ونقصت الإمدادات، فجأة باتت أسعار النفط نارا موقدة تحرِق خدمات النقل والشحن ليصل دُخانها الى جيوب المُستهلكين على شكل دولارات إضافية تُضاف الى فواتيرهم اليومية. مشكلة أزلية في الحرب بين محدودية الموارد وارتفاع الطلب بسبب عاملي الخوف والطمع، تحولت في أيامنا هذه إلى أكبر موجة من التضخم تعيشها الشعوب منذ ما يزيد عن النصف قرن على الأقل، نعم ارتفاع غبر مسبوق في الأسعار، ونقص غير مُبرّر في الإمداد، وصل بنا لحالة من التضخم أقل ما نقول عنها أنها حالة صعبة تعاني منها الحكومات قبل الأشخاص وهو ما يأخذنا الى السؤال المهم، فما هو التضخم وكيف يتم قياسه؟ وما هي أسبابه؟ وما هي أهم أنواعه؟ أولاً ومن الناحية العامة فإن التضخم هو الارتفاع المُفرِط في المستوى العام للأسعار، أما من الناحية الاقتصادية فإن التعريف العلمي للتضخم هو الارتفاع المستمر وليس المؤقت في المستوى العام للأسعار في اقتصاد دولة ما عبر الزمن، والذي يؤدي الى انخفاض القوة الشرائية للنقود (كمية السلع والخدمات التي يمكن شرائها بنفس المبلغ مُستقبلياً). وهنا يجب الإشارة الى أنه يتم قياس المستوى العام للأسعار عبر مقارنة التغير خلال فترة مُعينة في متوسط أسعار مجموعات مُحدّدة من السلع والخدمات الأساسية في دولة ما والتي من أهمها: إيجارات السكن، أسعار الغذاء والمشروبات، تكلفة الترفيه والثقافة، مصاريف التعليم وتكاليف النقل، وأسعار الغاز والطاقة وكذلك سعر الملابس والأحذية وتكلفة الأثاث والأدوات المنزلية وغيرها من المنتجات الأخرى. أما بالحديث عن أهم أسباب التضخم فإنه يُمكن تلخيصها بما يلي: انخفاض قيمة العملات في بعض الدول والذي يؤدي مباشرة الى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ولنا فيما حدث في كل من لبنان والسودان وغيرها من الدول خير مثال على ذلك. ارتفاع تكاليف الإنتاج أو تكاليف شراء المواد الأولية وهو ما يؤدي إلى زيادة مُباشرة بالأسعار، كذلك فإن الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة غالباً ما يؤثر على تكاليف النقل والشحن وبالتالي يُلقي بظلاله على جميع المنتجات وخاصة المُستوردة منها. نقص مُؤثّر في المعروض من المواد والمنتجات وهو ما يؤدي الى انخفاض العرض وبالتالي ارتفاع الأسعار. زيادة الطلب بشكل مبالغ فيه على السلع والخدمات والذي قد ينتج من أسباب عديدة يأتي على رأسها الارتفاع الكبير في مستوى الدخل للمستهلكين، والذي يؤدي الى ارتفاع كمية المال بين أيديهم، وبالتالي رفع قدرتهم الشرائية ما يؤدي عادة الى ارتفاع في مستويات الأسعار، لتلبية هذا الطلب المُتزايد والمدعوم بالقدرة على الشراء. أما أهم أنواع التضخم فهي كما يلي: التضخم المكبوت: نوع من التضخم المُستتِر أو الغير ظاهر والذي لا تستطيع معه الاسعار أن ترتفع بشكل علني، وذلك بسبب تدخل الحكومة بفرض قيود سعرية مباشرة عليها وفي هذه الحالة فان الأسعار غالبا ما ترتفع في الخفاء وخاصة في السوق السوداء. التضخم المستورد: وهو الارتفاع الذي يحدث في الأسعار المحلية لسلعة مُعينة، ويكون سببه الارتفاع الحاصل في أسعار هذه السلع والتي يتم استيرادها من الخارج لتساهم في تشكيل سلة الاستهلاك المحلي، ولهذا فإن الدول التي تعتمد على الاستيراد من الخارج وخاصة للسلع الأساسية هي نفسها أكثر دول العالم مواجهة لهذا النوع من التضخم. الركود التضخمي: وهو أحد حالات التضخم والذي يرتفع به الأسعار بالرغم من انخفاض الطلب، وهو ما يتسبب بحالة من الركود تترافق مع استمرار ارتفاع الأسعار. وهو من أخطر أنواع التضخم حيث انه يؤدي الى توقف عملية الإنتاج مع ارتفاع تكاليف التشغيل وبالتالي خلق حالة من معدلات البطالة المرتفعة، مما يؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد العام لأي دولة. وأخيراً وليس آخراً؛ فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من أن التضخم هو عملية سلبية على أي من الاقتصاديات، إلا أن محافظتها على معدلات مقبولة قد تكون في معظم الأحيان حافز مهم للمنتجين والتجار، وهنا يجب الإشارة الى أن الاستمرار بارتفاع عدد سكان العالم مع محدودية الموارد المُتاحة، هي سبب رئيسي وأساسي لوجود حالة التضخم المُستمرة، والتي قد ترتفع معدلاتها أو تنخفض بناء للسياسات النقدية والمالية المُتبعة، وهنا يبرز دور الحكومات والقائمين على المصارف المركزية في حماية وتحصين اقتصاد دولهم من الوصول لمعدلات التضخم الجامح أو المُفرِط، وهنا أتذكر مقولة رجل الأعمال الشهير " وارن بافيت" حين قال " ان العامل الحاسم لقرار الاستثمار هو تحديد القيمة الجوهرية لعمل ما ودفع سعر عادل لقاء هذه الصفقة ".