الصيام تاريخ

لم يأتِ الإسلام منافياً للفطرة ولا للعقل، فقد ذكر وأكد الإسلام معظم القيم والمبادئ الإنسانية السابقة والمذكورة في باقي الديانات كونها تتماشى مع الفطرة وأيضاً وثق قصص الأنبياء القدامى، كما وردت بعدة أشكال مع ثبات المعنى. والمقصد من وراء القول هنا إن هناك تاريخ قديم للصيام قبل المسلمين كما أشارت الآية الكريمة من سورة البقرة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (183)، إذا مما لا شك فيه أن موضوع الصيام وهو ثاني أركان الإسلام لم يأتِ بشكل مفاجئ وإنما كان له تاريخ ومن الأمثلة على ذلك، كان يعتبر المصريون القدماء الصيام فريضة دينية للتقرب من الموتى عن طريق الامتناع عن الطعام والشراب، لأن الأموات لا يأكلون ولا يشربون، وكان الصيام مقسما إلى صيام الشعب وصيام الكهنة، كان الشعب يصوم سبعين يوماً لا يأكل فيها إلا الخضروات ولا يشرب فيها إلا الماء وهناك صيام آخر وهو صيام أربعة أيام في السنة والصيام في موعد الحصاد. أما صيام الكهنة كان له مواعيد محددة وكانوا يمتنعون عن الطعام والشراب ومعاشرة النساء من شروق الشمس وحتى غروبها مدة أربعين يوماً، ظناً منهم أنه يزيد قدسيتهم. كذلك ورد الصيام عند بني إسرائيل، حيث كان يعتبر الصيام عندهم كعلامة تدل على الحزن والكآبة وللتكفير عن الذنوب والمعاصي، ظناً منهم أنه من خلال الصيام لن تتكرر معهم المأساة، وكان بنو إسرائيل يصومون الكثير من الأيام في السنة مثل الصيام قبل عيد التنصيب وصيام ثلاثة أسابيع تمتد من السابع عشر من يوليو إلى التاسع من أغسطس وتسمى هذه الأسابيع بأسابيع الحداد وصيام اليوم الأول والثاني والسابع عشر أيضاً من يونيو لاعتقادهم أنه في مثل هذه الأيام حطم سيدنا موسى عليه السلام ألواح الشريعة وصيام التاسع من أغسطس الذي اخترب فيه الهيكل الأول وكانوا يصومون آخر يوم من كل شهر ويسمى يوم الغفران وغيرها من الأيام. أما المسيحيون كانوا يصومون خمسة وخمسين يوماً وهو الصيام المقدس ويصومون ثلاثة وأربعين يوماً صيام الميلاد وصيام العذراء خمسة وعشرين يوماً وصيام الرسل بين خمسة عشر وأربعين يوماً وصيامهم بالامتناع عن تناول اللحوم والألبان ومشتقاتها. أما عن بيت القصيد وباب المقصد وشاهد القول عن ذكر ما سلف من تاريخ الصيام هو اعتقادي جازماً أن الصيام أتى تهذيباً للنفس وتشذيباً للسلوك وزرعاً للرحمة بالقلوب وتزهيداً وترفعاً عن ملذات الدنياً ليس كرهاً ولكن استحضاراً لقيمتها. إن الصيام برأيي هو حالة انفصال مؤقت عن طبيعة النفس البشرية إلى حالة أخرى بين صفاء الروح وأرض الخيال، لتعود بعد الشهر الفضيل وكأنما مر الجسد والروح بصيانة سنوية وشحنة أخلاقية لتكمل المسيرة، وعلى موعد ولقاء هذه تحية.