alsharq

د. خالد الجابر

عدد المقالات 2

مريم ياسين الحمادي 25 أبريل 2026
سيادة الإعلام
رأي العرب 23 أبريل 2026
قطر وسوريا.. علاقات راسخة
نجاة علي 25 أبريل 2026
الكلمة تصنع المستقبل

الخليج وإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة

21 أبريل 2026 , 09:46م

لم يعد الخليج ساحة تستقبل الضربات بصمت، أو منطقة تكتفي برد الفعل على الأزمات. المشهد الإقليمي اليوم يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاطي والتعامل الخليجي مع المخاطر والتهديدات، من منطق الاحتواء إلى منطق المحاسبة. دول الخليج العربي وفي مقدمتها قطر والسعودية والبحرين والإمارات والكويت، لا تتعامل مع تداعيات المواجهة الأخيرة بوصفها مجرد أزمة عابرة، بل كمنعطف استراتيجي يعيد تعريف أدواتها في إدارة الصراع ومخرجاته. فخلال الأسابيع الأخيرة، برز تحرك منسّق وواسع النطاق من قبل قطر والسعودية والبحرين والإمارات والكويت على مستوى المنظمات والمؤسسات الدولية، خصوصًا داخل مجلس الأمن، وبالاستناد إلى آليات قانونية مثل لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، بهدف مواجهة الآثار المترتبة على الهجمات الإيرانية، وتحويل الكلفة من عبء تتحمله الدول المتضررة إلى مسؤولية قانونية تقع على الطرف المعتدي. هذا التحول لا يُعد تفصيلًا إجرائيًا في السياسة الخارجية الخليجية، بل يمثل إعادة صياغة لقواعد الاشتباك في المنطقة. فالمبادرة لم تعد حكرًا على القوى الكبرى، ولا إدارة الأزمات حكرًا على المنظومات الدبلوماسية التقليدية. إنها لحظة فارقة تُعيد تعريف مفهوم السيادة الإقليمية: سيادة قادرة على المحاسبة لا على التكيف السلبي. أمن الخليج غير قابل للمساومة الدوحة كانت أول من خطا خطوة علنية في هذا الاتجاه، حين رفعت رسالة رسمية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، واضعة إيران أمام معادلة جديدة: العدوان له ثمن، والثمن سيُدفع. المطالبة القطرية بالتعويضات ليست مجرد موقف سياسي؛ إنها إعلان عن نهاية مرحلة كان الإفلات من المسؤولية يُعتبر فيها قاعدة التعامل الإقليمي. المسار الذي تطلقه قطر يعتمد على المنهج القانوني الدقيق في تقييم الأضرار وملاحقة المسؤوليات حتى آخر دولار، ليس بأسلوب الدعوات الرمزية، بل عبر أدوات دولية ذات قوة إلزامية. وهذا ما يجعل الرسالة أبعد من كونها رد فعل غاضب، إنها تأسيس لسابقة إقليمية جديدة، تُعلن أن الخليج لن يقبل بعد اليوم أن يُقصف ويصمت، أو يُستهدف ويُساوم. التحرك الجماعي الذي يقوده مجلس التعاون لدول الخليج العربية عزّز زاوية الصياغة السياسية لهذا التحول. دعوة الأمين العام جاسم البديوي لمجلس الأمن للتدخل لم تكن مجرد بيان دبلوماسي، بل إنذار استراتيجي واضح مفاده أن أمن الخليج لم يعد تفصيلًا في حسابات القوى الكبرى. فالمعركة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز تتجاوز الجدل الفني حول طرق النقل البحري؛ إنها تتعلق بمن يمتلك القرار في الشريان الحيوي الذي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي. بهذه الرسالة، يضع الخليج العالم أمام خيار واضح: إما نظام دولي يحمي الاستقرار ويصون حرية العبور، أو فوضى سيدفع ثمنها الجميع. هذا الموقف يرسّخ فلسفة جديدة في السياسة الأمنية الخليجية، تقوم على مبدأ المبادرة لا الاستجابة، وعلى رفض تحويل موقعه الجغرافي إلى مساحة رهينة لتوازنات قسرية أو مغامرات غير محسوبة. لا اتفاق دون مشاركة خليجية الشق السياسي الأعمق في هذا التحول يتعلق بإعادة تعريف موقع الخليج في معادلة التفاوض مع إيران. فالتجارب السابقة أثبتت أن أي اتفاق يُطبخ خارج الإقليم يولد ميتًا، لأن الأمن الحقيقي لا يُستورد ولا يُفرض من الخارج. ولذلك تتعامل دول الخليج اليوم مع أي نقاش دولي حول مستقبل الاستقرار في المنطقة من منطلق إلزامي: لا مفاوضات ذات جدوى من دون حضور خليجي فاعل. إنها ليست رفاهية دبلوماسية، بل ضرورة استراتيجية تفرضها حقائق الجغرافيا والسيادة. فدول الخليج لم تعد تقبل أن تُدرج في الهامش، بل تفرض نفسها كفاعل مركزي لا يمكن تجاهله، وصاحبة حق لا تابع في تقرير مصير الإقليم. ومن يريد استقرار المنطقة عليه أن يُفاوض أهلها لا وكلاءها. ما تقوده دول الخليج اليوم هو في جوهره استعادة لتقليد راسخ في النظام الدولي المعاصر: مبدأ المحاسبة. فبعد غزو العراق للكويت عام 1990، لم تترك الأمم المتحدة المسألة للبيانات السياسية، بل أنشأت لجنة التعويضات التي ألزمت العراق بدفع مليارات الدولارات للضحايا. وحتى في سياقات تاريخية أوسع، دفعت ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية ثمن عدوانها عبر اتفاقيات طويلة الأمد كاتفاق لوكسمبورغ مع إسرائيل ودول أوروبا، حيث تحولت التعويضات إلى جزء من إعادة اندماجها الدولي. هذه السوابق تمنح التحرك الخليجي شرعية متكاملة. فالمعادلة ثابتة عبر الزمن: من يعتدي يدفع، ومن يرفض الدفع يبقى خارج النظام. إن سلوك الخليج اليوم هو إعادة إحياء لهذه القاعدة التي حمت النظام الدولي من الانزلاق إلى الفوضى المطلقة. كتابة قواعد جديدة القيمة الجوهرية لهذا المسار لا تكمن فقط في استعادة الخسائر المادية، بل في تأسيس منظومة ردع مستقبلية جديدة. فعندما يدرك أي طرف أن العدوان سيُترجم إلى فاتورة باهظة تُطارد مسؤوليه اقتصاديًا وقانونيًا، تصبح الحرب قرارًا مكلفًا لا مغامرة سياسية قابلة للاحتواء لاحقًا. هنا تتحول التعويضات إلى أداة استراتيجية تكتب مسبقًا كلفة الحرب ضمن حسابات الردع. بهذا المفهوم، يصبح السعي الخليجي إلى المحاسبة ليس مجرد دفاع عن الذات، بل مساهمة في استقرار النظام الدولي نفسه، حيث الفوضى لم تعد خيارًا دون ثمن، والعدوان لم يعد بلا حساب. ما يجري اليوم يمكن وصفه بأنه إعادة صياغة لدور الخليج في النظام الإقليمي والعالمي. من ساحة تُدار فيها الصراعات إلى منصة تُعاد فيها صياغة القواعد، يُثبت الخليج أنه بات فاعلًا يمتلك الإرادة والرؤية. السيادة لم تعد شعارًا، بل ممارسة؛ والأمن لم يعد مادة تفاوض، بل خطًا أحمر يُبنى عليه القانون والسياسة معًا. إنها لحظة نادرة في التاريخ السياسي للمنطقة: حين يقرر المتضرر أن يكون صاحب القاعدة لا ضحيتها. وإذا استمر هذا المسار، فإن مرحلة ما بعد الحرب ستختلف جذريًا عن كل ما قبلها، لأن المعادلة تغيّرت جذريًا من يطلق النار سيدفع، ومن يحمي القانون سيكتب مستقبل الخليج.

الخليج وانتصار منطق الدولة في زمن الحرب

ليست الأزمات لحظات اختبار عابرة، بل محطات تكشف البنى العميقة للدول، وتُظهر الفارق بين من يمتلك مشروع دولة ومن يكتفي برفع شعاراتها. وفي الأزمة الأخيرة المرتبطة بالحرب مع إيران، لم تكن المنطقة أمام تصعيد عسكري...