هل توجد دوافع وأسباب حقيقية يمكن الاستناد إليها لتبرير نشوب الحرب الروسية الأوكرانية؟ لماذا لم تتكاتف الدول الفاعلة والمؤثرة في السياسة الدولية، لوقف اندلاعها وتجنيب العالم تداعياتها الكارثية وخسائرها الجسيمة عسكريا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا... خاصة وأن مؤشرات نشوبها ظهرت للعيان واتضحت قرائنها للجميع قبل قرار روسيا التغلغل في الأراضي الأوكرانية؟ هل سيتحمل الاقتصاد العالمي انعكاسات هذه الحرب الشرسة، وهو بعد، ما يزال، في مرحلة تعاف من معاناة طويلة مع إجراءات واحترازات "كوفيد١٩"، ومحاولة انعاشه من كساد أنهك أنشطته وقطاعاته المختلفة ما تزال مستمرة؟ هل هي حرب "دبرت بليل"، كما يرى بعض المحللين والخبراء، استخدمت فيها أسلحة الخبث والترغيب والاستفزاز والاستدراج المخابراتي، في محاولة لجذب روسيا إلى شراكها، وتشكيل جبهة واسعة من التضامن العالمي، الشعبي والحكومي ضدها، ومن ثم إنهاكها اقتصاديا بسلاح العقوبات الصارمة والقاسية؟ وتحقيق جملة من الأهداف والمصالح التي تخدم القوة المهيمنة على المسرح السياسي والقرار الدولي، والمالكة لأكبر وأضخم ترسانة أسلحة على مستوى العالم "الولايات المتحدة الأمريكية" بإضعاف وإنهاك العدو اللدود "روسيا" وإبعادها عن المنافسة والنفوذ، والبحث عن مناطق توتر وإشعال جبهات حروب وصراعات تتنفذ وتترسمل منها مافيات السلاح والدواء والمرتزقة والطاقة، وشركات استخراج النفط الأحفوري... ومنافع هذه الأخيرة تتجلى في الارتفاع الجنوني لأسعار البترول والغاز؟ هل وقعت روسيا فعلا في حبائل الغرب بغزوها لدولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة؟ ألا تظهر الحكومات الغربية في الإعلام اليوم بأنها بمواجهتها للحرب الروسية ضد أوكرانيا، تدافع عن القيم الديمقراطية والحريات الإنسانية وتتعامل مع تعد صارخ على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة؟ ألا تلحق السياسات والإجراءات الغربية المتتالية الخاصة بمقاطعة وحظر الطاقة الروسية، ونقل الشركات والعلامات التجارية من السوق الروسي الضخم، الضرر الكبير بالاقتصادات الغربية، قبل أن تنهك الاقتصاد الروسي؟ هل وضعت روسيا في الحسبان انعكاسات العقوبات الحادة على اقتصادها والذي أدى إلى فقدان الروبل لأكثر من "40%" من قيمته، وتراجع حاد في سوق الأسهم، وتحويل المستثمرين والأثرياء لأموالهم خارج البلاد، وتكدس المواطنين الروس أمام أجهزة الصرف الآلي لسحب نقودهم قبل أن تتبخر، وتسريح عشرات الآلاف من الشركات الأوروبية - الأمريكية التي هجرت السوق الروسي وأغلقت مكاتبها ومقارها هناك، ويكفي أن شركة واحدة مثل ماكدونالد لوحدها كانت تحتضن أكثر من ٦٢ ألف مواطن روسي يعملون فيها، هذا فضلا عن الكوكاكولا، والستاربكس، وغيرها الكثير؟. ستكون لهذه الحرب التي لم يشهد العالم مثيلا لها منذ الحرب العالمية الثانية تداعيات اقتصادية عميقة جدا وسوف يتضرر من آثارها كل بيت وأسرة وصاحب عمل، فأسعار النفط تجاوزت عتبة الـ "١٣٠" دولارا، وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بحوالي ٧٠%، وبدأت مؤشرات زيادة أسعار السلع الغذائية وغيرها تلوح في أفق الأسواق المحلية، بسبب تأثيرات الحرب النفسية واستغلال التجار والشركات لها برفع الأسعار قبل أوانها، وصعود أسعار الطاقة بشكل جنوني سوف يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، فروسيا وأوكرانيا يوفران ما نسبته "٣٠%" من صادرات العالم من القمح، و"١٩%" من الذرة، و"٨٠%" من زيت دوار الشمس، فيما تزود روسيا أوروبا بحوالي "٣٥%" من احتياجاتها من النفط. إن عالما جديدا يلوح في الأفق بعد هذه الحرب، سوف ينهي قوى ويؤسس لأخرى، وينشئ مؤسسات وشركات وأعمالا تثري من ورائها مجموعات ومافيات، ويقبر مشاريع وأنشطة كانت في أوج نجاحها، ويضع قيما ونظما اقتصادية جديدة، فأين سيكون موقعنا في عالم المستقبل؟.