مع نهاية كل عام وبالتزامن مع دخول عام جديد حياتنا الحقيقية تبدأ الأرقام والإحصاءات في كل دول العالم بالظهور، فهنا من يتحدث عن اعلان تلك الدولة رسميا لبيانات وأرقام ميزانها التجاري، وهناك من ينتظر بفارغ الصبر تقرير الناتج الإجمالي المحلي أو الكلي لاقتصاد دولة أخرى عن سنة مالية مرت وانقضت، بالنهاية "كلها ارقام" نعم نتفق جميعا على ذلك، ولكننا نتفق أيضا على ان هذه الأرقام وبرغم صغر حجمها مقارنة مع حجم الأوراق والتقارير الا انها وبالحقيقة هي الخلاصة الأهم التي تحدد في كثير من الأحوال توجهات وتحركات رؤوس الأموال الداخلية والخارجية، فالـ 5% ليست رقما متسلسلا بل هي الهدف المتوقع للفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة خلال عام 2023، وهي أيضا المعدل الذي جعل النفط والذهب وغيرها من الأدوات الاستثمارية تنخفض، نسبة للفائدة سحبت البساط من تحت أرجل أسواق المال وذهبت به بعيدا الى ودائع مالية مجمدة تقبع في أروقة الخزائن تنتظر من يحررها بعيدا عن حسابات المصارف والبنوك، نعم ارقام ودلالات ولكن وبالرغم من أهميتها إلا انها كلها وبلا استثناء تقف احتراما وتنحني تواضعا أمام "كبيرها الذي علَّمها الاقتصاد" كبيرها الذي نُطلِق عليه اليوم "الموازنة المالية للدولة"، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي الموازنة المالية؟ وما هي أهميتها وما الهدف منها؟ وما أهم بنودها؟ أولا وقبل كل شيء فإنه يمكن تعريف الموازنة المالية للدولة أو ما يطلق عليها "الموازنة العامة" بأنها الخطة المالية السنوية للدولة التي يتحدد بموجبها تقدير الإيرادات المتوقع تحصيلها بالإضافة للنفقات المتوقع صرفها أيضا وذلك خلال سنة مالية، فهي بالنسبة للدولة وسيلة لتحقيق أهدافها العامة في شتى المجالات وخاصة الاقتصادية والمالية منها كما انها تعتبر أداة أساسية لممارسة الرقابة على فعالية تحصيل الإيرادات وعلى مدى نجاح وتحقيق ترشيد الانفاق والمصروفات، وبالتفصيل فإن الموازنة العامة لأي دولة خلال مدة معينة يجب أن تشتمل على جميع الإيرادات المقدر تحصيلها وجميع المصروفات المقدر إنفاقها بواسطة مؤسسات الدولة من وزارات وجهات حكومية وغيرها خلال تلك المدة والتي غالبا ما تكون "سنة مالية"، علما بأنه يجب عند اعداد هذه الموازنة عدم إغفال أي جزء فيها وكذلك يجب عدم إجراء مقاصة بينها أو تخصيص موارد معينة لنفقات معينة، وذلك بهدف أن تكون الإيرادات والنفقات محددة تحديداً سليماً ويتوفر فيها الوضوح والدقة، وهو ما يجعل احد أهم شروط الموازنة هو ان يرفق معها دراسة دقيقة وتفصيلية توضح أسس إعداد تقديرات الأرقام مع التبريرات الكاملة والكافية المؤيدة لهذه التقديرات بما في ذلك المقارنة مع اعتمادات العام الحالي والمحقق الفعلي خلاله والتقديرات الواقعية لنهايته والأرقام الفعلية للعام السابق كما يرفق بمشروع الموازنة جميع التفصيلات والبيانات الداعمة والمكملة لها. وبالانتقال من هدف إعداد الموازنات فهو وبالدرجة الأولى هدف تنظيمي رقابي يهدف لدراسة وتوقع حركة التدفقات المالية الخاصة بالدول بهدف تنظيمها واستغلالها بشكل أمثل مع الحفاظ على سجلات ومحاضر خاصة ببنود الانفاق والصرف ومن ثم مقارنتها بما كان متوقعا وهو ما يساعد لاحقا في كشف أماكن الخلل والهدر ان وجدت، وبالتالي فإن هدف اعداد الموازنات العامة هو تنظيمي رقابي، مما يساعد على التخطيط والتطوير عبر كشف أماكن القوة والضعف وعبر تحديد سقوف متوقعة لمصروفات كل مؤسسة أو جهاز في الدولة وهو ما يقرع جرس الإنذار والضوء الأحمر في حال تجاوز سقوف الصرف المعتمدة، هذا وتنقسم الموازنة العامة بشكل عام إلى فرعين أساسيين وهما فرع النفقات وفرع الإيرادات، والتي يندرج تحت كل منها عدة بنود، وبالحديث عن فرع النفقات فهو يمثل جميع مصروفات الدولة ومؤسساتها المتوقعة خلال الفترة التي تغطيها الموازنة العامة، وهي غالبا ما تنقسم لثلاثة أنواع أولها النفقات الجارية وهي جميع النفقات التي تدفعها الدولة من أجل المحافظة على استمرار عمل أجهزتها ومؤسساتها المختلفة، مثل رواتب وأجور الموظفين أو صيانة الآلات والمعدات أو غيرها من المصاريف، أما ثانيها فهو النفقات الرأسمالية وهي النفقات الخاصة بتحسين مستوى وتطوير أصول الدولة وملكياتها وكذلك تحسين مستوى المعيشة فيها مثل البنية التحتية والطرق والمطارات وغيرها من المشروعات الرئيسية الأخرى، واخر هذه النفقات هي نفقات الدين العام وهي النفقات التي تدفعها الدولة مقابل خدمة الديون العامة عليها إن وجدت والتي من المتوقع دفعها خلال العام سواء كانت من قبل جهات داخلية أم خارجية. أما بالحديث عن الإيرادات فإنها عبارة عن جميع المبالغ المتوقع تحصيلها للحكومة خلال فترة الموازنة المحددة، وهي تنقسم في الدول النفطية الى قسمين رئيسيين وهما إما إيرادات نفطية وهي الإيرادات المتأتية من بيع المنتجات النفطية ومشتقاتها وتوابعها مثل بيع النفط والغاز الخام أو إيرادات غير نفطية وهي الإيرادات الخاصة بجميع الأنشطة غير النفطية الأخرى مثل الصناعة والسياحة والزراعة. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الموازنات الحقيقية والعادلة للدول هي أداة مهمة جدا للتخطيط والرقابة الصحيحين وهي تشكل بدورها إنذارات مبكرة لأي خلل او هدر يمكن حدوثه، وهو الأمر الذي يجعل من متابعة أداء الموازنات وتحليلها بشكل يومي أهم بكثير من مجرد صياغتها وتعبئة أرقامها التي يجب ان تتم بتأن ودراسة كافية وآخذة بعين الاعتبار التوقعات الحقيقية للأوضاع والظروف الاقتصادية المحيطة، على ان يبقى الانسان والمواطن دائما هو القيمة الحقيقية في أي دولة او بلد وهنا أستذكر "المثل الإنجليزي" الشهير حين قال "انظر جيدا قبل أن تقفز".