بالتفصيل عرض الكتاب كذلك، للتوترات التي تنخفض حدتها حيناً وتتأزم في أحيان أخرى بين الصين وأمريكا، والعقوبات التي فرضتها الأخيرة على بكين، وتداعياتها الاقتصادية ودوافعها السياسية، بدءا من غزو الصين للحدود الشمالية لفيتنام، ومذبحة ميدان "ايتان آن مين"، وقضية تايوان... وكيف أن كبرياء بكين وكرامتها أبت التذلل لرفع العقوبات، ولكنها فضلت بدلا من ذلك خيارات وحلولا اقتصادية تسهم في نجاح ثورتها الشاملة، ففتحت الباب "على مصراعيه للمستثمرين الذين يفهمون واقع البلاد على نحو أفضل "الصينيون فيما وراء البحار" "من هونج كونج وماكاو وتايوان، وحتى جنوب شرق آسيا، فضاعف الصينيون المقيمون فيما وراء البحار، من استثماراتهم في الصين، وكانت شركاتهم تملك فائضا هائلا من السيولة"، فوجدوا أن أفضل "فرص للاستثمار سانحة في الصين". فيما تنافست "غالبية الصناعات ذات الإنتاج الكبير في هونج كونج إلى فتح منافذ لها هناك"، وهكذا تحول هذا التدفق الهائل إلى "منجم غني" أسهم في انتعاش الاقتصاد الصيني. وفجأة تحولت الصين إلى "اللعبة الكوكبية العظمى، والمكان الأكثر استثارة للأسواق البازغة، والمركز المختار للنمو الكوكبي، وبات مستحيلا على الأمريكيين أن يقفوا بمنأى عنها". على ضوء هذه الحقائق والمؤشرات تنبأ الكتاب بأن الصين سوف تتجاوز اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن لن يحدث ذلك قبل "ثلاثة عقود على الأقل" مستبعدا بأن يتمكن الاقتصاد الصيني من التغلب على التحديات والمشكلات التي تعترض نموه السريع، لذلك سيظل الاقتصاد الأمريكي متسيدا كأقوى اقتصاد عالمي طوال "العقد التالي"، فالصين كذلك ما زالت بعيدة آنذاك عن "احتواء اقتصاد المعرفة". عند إخضاع هذه التنبؤات لمؤشرات اليوم وواقعه، فاقتصاد الصين - وبحسب خبر نشرته قناة الجزيرة في 19 أكتوبر 2020م، مستندا على تقرير لمجلة "ناشيونال انترست - قد "أزاح حاليا الولايات المتحدة الأمريكية من الصدارة ليصبح أكبر اقتصاد في العالم، إذ يظهر تقرير صندوق النقد الدولي، أن اقتصاد الصين أكبر بنحو السدس عن اقتصاد أمريكا، "2’24 تريليون دولار للأول، مقابل 8’20 تريليون للثاني"، على عكس ما تقدمه صحيفة "إيكونوميست" التي تنشر تقارير معاكسة، تقول بأن "الاقتصاد الأمريكي يحتل الصدارة""، فيما يشير التقرير كذلك إلى أن الصين تفوقت في 2020، على الولايات المتحدة في الإنفاق على "البحث والتطوير والقدرة التنافسية في المستقبل". ومن جانب آخر فإن الاقتصاد الصيني قد تعافى من تداعيات كورونا بشكل أسرع من معظم دول العالم، "ليكون الاقتصاد الوحيد الذي لم يسجل انكماشا خلال العام الماضي"، في حين أنه نما بوتيرة تجاوزت الـ "18 %"، في الربع الأول من العام الحالي، بحسب تقرير نشرته قناة الـ "بي بي سي" الإخبارية. إنها الصين التي استوعبت اللعبة قبل أكثر من أربعة عقود، وحددت على ضوئها أهدافها المستقبلية بدقة متناهية، وأدركت مسبقاً بأن نمو الاقتصاد وازدهاره وتقدمه هو ما يقود الدول إلى تحقيق ثوراتها العلمية وخططها للنهوض والرخاء والتطور، وها هي اليوم الصين تغزو العالم من آسيا إلى أفريقيا وتغرق أسواق أوروبا وأمريكا، وتجذب الاستثمارات إلى أسواقها، ليس بقوة السلاح والاستعمار القديم وإنما بأذرعها الاستثمارية، وشركاتها العابرة للقارات وبمنتجاتها وسلعها التي باتت تتفوق في تقنياتها وجودتها وأسعارها على الآخرين وباقتصادها القوي الذي ينمو بمؤشرات تفوق المتوقع بكثير، ولا شك بأن دولا كثيرا استلهمت تجربة الصين وحققت نجاحات باهرة في التقدم والنمو والازدهار والعلم والمعرفة.