تبقى اليابان قوة اقتصادية كبرى بكل المعايير، التغيير المهم الذي تواجهه اليوم هو أن المنافسة المباشرة لقوتها تأتي من آسيا وليس من أمريكا وأوروبا كالسابق. منافسة اليابان هي صينية كورية روسية وغيرها من الدول الأصغر التي تحتوي على إمكانات مستقبلية ضخمة كفيتنام والفلبين. تعاني اليابان من الانخفاض الديموغرافي المقلق وهذا ربما يسبب لها بعض الحسد من قبل الدول التي لا تعرف كيف تجد فرص عمل لسكانها المتزايدين بنسب تفوق الإمكانات. تحتاج اليابان إلى العمال لتطوير اقتصادها وللاستمرار في الإنتاج ورفع الإنتاجية. هذه مشكلتها يضاف إليها عدم الرغبة في استقبال المهاجرين في وقت يزداد خلاله العرض من منطقتنا ومن أفريقيا وآسيا. تعاني اليابان أيضا من غياب المساواة في أسواق العمل بين الرجل والمرأة بالرغم من حاجتها إلى المساهمة النسائية. في مؤشر فجوة المساواة بين الجنسين، تأتي اليابان عالميا في المرتبة 110 149 أي أن الطريق طويلة. لا تحصل النساء على الوظائف المهمة، إذ إن 6,4% فقط من المديرين هم من النساء وهذا بعيد عن العدالة والمناصفة. ما يحصل عمليا هو بقاء النساء في مهن معينة أي هنالك نوع من الفصل بين العمل الذكوري والنسائي، وهذا مضر في رأي الاقتصاديين اليابانيين. ليست كل الأسباب اقتصادية، بل هنالك أمور ثقافية تاريخية موروثة. ما هي الإصلاحات المطلوبة في اليابان كي تعوض 60 % من النتائج السلبية الصادرة عن الانحدار السكاني؟ يجب تحرير أسواق السلع والخدمات لزيادة المنافسة الداخلية. هنالك حاجة لتطوير قطاعات الشركات الصغيرة والمتوسطة وتأمين التمويل. كما المطلوب تطوير أنظمة الحوكمة مما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والاستثمارات. يجب تحرير وسائل التبادل التجاري مما يساهم في جذب الاستثمارات الخارجية المباشرة. المطلوب أيضا زيادة المكننة في قطاعات أساسية منها الصحة والنقل والبنية التحتية والتكنولوجيا المالية. استقال "أبي" في 28 - 8 - 2020 لأسباب صحية واستلم "سوغا" في 16 - 9 - 2020 وسلم الأمانة إلى "كيشيدا" في 4 - 10 - 2021، لكن لا بد للسياسات من أن تستمر كما وعد بها اليابانيون. ما هي الدروس الأخرى للتجربة اليابانية؟ لا يجب الخوف من الإنفاق العام. التقشف مضر حتى مع وجود عجز مالي يقدر بـ 3,6 % من الناتج. السياسات النقدية لم تكن سخية كما اعتقد الجميع، أي لم تزداد الكتلة النقدية قدر الحاجة وبقي المصرف محافظا في التنفيذ. المطلوب الشجاعة في اتخاذ القرارات وتنفيذها. أما نسبة الدين العام فهي الأعلى في العالم أي 240 % من الناتج لكنها لم تشل الاقتصاد. نسبة الدين وإن كانت مهمة فهي ليست العامل الوحيد الذي يقيد قدرة الاقتصاد على النهوض والتطور. لم تنجح السياسات الاقتصادية في تطوير الإنتاجية وبالتالي لم ينتعش الاقتصاد كما تمنى "أبي". إحدى المشاكل الأساسية التي نعاني منها عربيا وتبقى حاجزا أمام النمو هو العدد السكاني المتزايد مقارنة بفرص العمل خاصة في الدول الفقيرة مما يؤثر سلبا على الإنتاجية والنمو.