الحركة والانتقال ميزة مُهمة ميّزنا الله بها نحن بني البشر، فالحركة في حد ذاتها تُعتبر وسيلة مُهمة وشرطا أساسيا لإتمام الأعمال وإنجازها وكذلك للحصول على الاحتياجات الشخصية من ماء وغذاء بالإضافة الى الميزة الأهم وهي ان القدرة على التحرك والتنقل هي من اهم مبادئ تحقيق الأمن وحماية الذات، فالحركة المُستمرة تجعل من إمكانية عثور أي عدو على الجسم المُتحرِّك اكثر صعوبة، كذلك فإن الحركة الذاتية تُعطي للإنسان أيضا قدرته على الهروب من الخطر القادم إليه في حال استدعى الامر ذلك، فلولا الحركة لكانت الحرائق والطوافين والسيول ليس لها إلا نتيجة واحدة وهي عدم القدرة على النجاة، وهنا لنا حضرة القارئ ان نتخيل كيف كانت حياتنا نحن البشر لو كنا كما النبات أو الجماد غير قادرين ذاتيا على التحرُّك والانتقال، وكيف كنا سنحصل على قوت يومنا من ماء وغذاء ومُستلزمات أخرى، نعمة مُهمة من الله عز وجل تقوم على مبدأ أساسي وهو الطاقة وبالتحديد الطاقة التي تولد ذاتيا والتي تساعدنا على بذل أي مجهود مهما كان صغيرا، وهنا يظهر السؤال المهم، فما هي الطاقة؟ وما هي أهم أشكالها وأنواعها؟ وهل هي فعلا مُهمِة في حياتنا اليومية ام انها مُجرّد وسيلة نستخدمها لتحسين مستوى حياتنا وزيادة رفاهيتنا؟ أولا وقبل كل شيء فإنه يُمكن تعريف "الطاقة" من الناحية العلمية على أنها إحدى خصائص المادّة، والتي يُمكن تحويلها من شكلها العادي إلى شكل آخر مثل العمل أو الإشعاع أو الحرارة، وهو المفهوم الذي بدأ بالتوسُّع في أواخر القرن الثامن عشر أثناء الثورة الصناعية، حيث لاحظ المراقبون أن الحرارة والإشعاع هما أيضا شكلان مهمّان للطّاقة تماماً كما العمل والحركة وهو ما ساعد لاحقا في الاستفادة من هذه الفكرة في عملية التبريد والتدفئة وغيرها من التطبيقات الهامة، أما من الناحية البسيطة والعامة فإن الطاقة في مفهوم الناس ترتبط بالقُدرة وبالتالي فان الطاقة بالنسبة لهم هي الاستطاعة على بذل جهد أو المقدرة على القيام بالأعمال المُختلفة وخاصة الحركة والتنقُّل، ومما هو جدير بالذكر أن الطاقة موجودة داخلنا وحولنا في أي مكان، فالشمس مثلا ترسل أشعتها وحرارتها للأرض لتسخِّن طبقاتها الجوية والهوائية فتتكوّن الرياح كذلك فان نفس الاشعة ما تصل الى المسطّحات المائية حتى تساعدها على التّبخُر فتتحول الى سحب تهطل منها الأمطار وغيرها الكثير والكثير، وهو ما يجعلنا نضيف الى التعريف السابق أن الطاقة هي أيضا قادرة على تحويل المواد من شكل الى آخر ولنا في الانصهار والتكثيف خير دليل على ذلك، وبالحديث عن أشكال الطاقة فإنه يُمكِن تلخيصها في شكلين أساسيين وهما: الطاقة الحركيّة وهي الطّاقة الناتجة عن الحركة المُختلفة للأجسام حيث إن الجسم المُتحرِّك يولِّد الطاقة وبالتالي يمتلك القدرة على إحداث التغيير وإنجاز الاعمال، بعكس الجسم الساكن، فمثلاً: في حالة تحريك اليد على لوح خشبي فإنّها ستكون قادرة على إحداث تأثير فيه، بينما لا تستطيع اليد الساكنة ذلك، وهنا تجدر الإشارة الى ان سرعة الحركة لها تأثير مُهم على حجم الطاقة المُتولِّدة منها فكلما زادت السرعة زاد حجم الطاقة، ومن أهم أمثلة الطاقة الحركية ما يلي: "الطّاقة الحرارية" وهي الطّاقة الناتجة عن حركة الذرات والجزيئات في المادة، وتزداد كمية الطّاقة الحرارية كلّما زادت سرعة حركة هذه الجسيمات، كذلك فهناك ما يُسمى "طاقة الحركة" وهي الطّاقة المُختزنة في الأجسام المتحرّكة والتي تزداد كلّما زادت سرعة حركة الأجسام وتُعدّ طاقة الرياح من الأمثلة على هذا الشكل من الطاقة، أما "الطّاقة الكهربائية" والتي تولد عن طريق الحركة الدائمة للإلكترونات وهي الجسيمات الصغيرة المشحونة التي تقوم بالتحرك فتنقُل الطاقة من مادة الى أخرى ومن أمثلتها: البرق والكهرباء. أما الشكل الثاني للطاقة فهو "الطاقة الكامنة" وهي الطاقة المخزونة داخل الاجسام بسبب شكل ونوع الجسم نفسه وهي غالبا ما تحتاج الى تفاعل أو تغيير يساعدها على الظهور ومن هذه الأنواع ما يلي: "الطاقة الكيميائية" وهي الطّاقة المختزنة في روابط الجزيئات والذرات والتي من الممكن تحويلها إلى طاقة حرارية، كاحتراق الخشب في الموقد مثلا ومن أهم اشكالها كل من الطاقة الناتجة من الفحم والغاز الطبيعي، أما "الطّاقة الميكانيكية" فهي الطّاقة المختزنة في الأجسام نتيجة الضغط أو الشدّ، ومنها: الزُنْبُرُك المضغوط والأشرطة المطاطية، وأخيرا وليس آخرا "الطّاقة النووية" وهي الطّاقة المختزنة في نواة الذرة، والتي تجمع مكونات النواة معاً، إذ يُؤدّي دمج هذه المكونات، أو فصلها عن بعضها البعض إلى انبعاث كميات كبيرة من المواد الإشعاعية والتي تُسمى بالطّاقة النووية وهي أساس فكرة الـ "قنبلة النووية"، أما "طاقة الجاذبية" فهي افضل مثال للطّاقة الكامنة للأجسام التي تمتلك طاقة جذب تظهر في القوة الناتجة عن السقوط من أعلى مثلا. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الطاقة هي الاحتياج الرئيسي والاهم لاستمرار التكنولوجيا والتطور الدائم للبشرية وبالتالي فإن تحديث مصادرها وتغييرها من شكل الى آخر هو أمر حتمي، فأهميتها الكبيرة مع زيادة الطلب المُستمِر عليها يُحتِّم على الدول البحث المُستمر عن مصادرها الجديدة، فنحن وبرغم التقدُم الكبير الذي تعيشه البشرية ما زلنا نحيا في عالم يعيش فيه حوالي 789 مليون شخص من دون كهرباء، وهو نفسه العالم الذي يقوم فيه قرابة 3 مليارات شخص بالطهو والتدفئة بوقود مُلوَّث يؤدي إلى تلوُّث الهواء داخل المنازل وخارجها، فالتقسيم العادل للطاقة هو حلم جميل من الصعب تحقيقه فقد تحدث بعض الباحثون عن ان سُكّان الدول الصناعية الغنية وبالرغم من كونِهم يُشكِلون حوالي 15 % فقط من سكان العالم الا أنهم يستهلكون أكثر من نصف الطاقة المُستخدمة على وجه هذه الكرة الأرضية، وهنا أتذكر مقولة الكاتب الأمريكي "مارك هانسون" حين قال "لا شيء يستطيع أن يمد حياتك بالطاقة مثل تركيزك المطلق على جملة محددة من الأهداف والغايات".