التحويلات النقدية مهددة

منذ قرون ينتقل الإنسان من دولة إلى أخرى للعمل وجني الأموال وتحويلها جزئيا أو كليا إلى دول المنشأ. توزع العمال دوليا يساهم في تقريب مستويات التنمية، ومن المستحيل مهما بلغت قدرات الدول المستقبلة أن تمنع قدوم العمال إليها. كذلك الأمر بالنسبة للدول التي تخسرهم والتي لا يمكنها منع الطموحين الراغبين في عيش أفضل من المغادرة. لبنان من الدول التي عرفت التحويلات النقدية بسخاء بالاتجاهين، هنالك مئات الألوف من اللبنانيين الذين يعملون في الخليج العربي وأفريقيا وغيرها ويحولون مليارات الدولارات سنويا إلى لبنان. في نفس الوقت يستضيف لبنان ألوف العمال الذين يعملون في المنازل ومحطات الوقود وقطاعي الزراعة والإنشاء وغيرها وبالتالي يحولون هم الأموال من لبنان إلى دولهم. انتقال العمالة من وإلى الدولة ليس جديدا لا في لبنان ولا في غيرها من دول المنطقة. قيمة التحويلات الآتية إلى لبنان تقدر بمعدل 6 مليارات دولار سنويا أي حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي وبالتالي مؤثرة جدا على مستوى المعيشة وميزان الحساب الجاري. تشكل التحويلات النقدية ركيزة أساسية للتنمية في الدول ذات الدخل المتوسط وما دون، هنالك تحويلات نقدية كبيرة تتم من الدول الصناعية إلى الناشئة والنامية، كما هنالك تحويلات تتحقق داخل المجموعة الثانية أي ضمن أفريقيا وآسيا مثلا. التحويلات مهمة لتسيير النمو الاقتصادي في دول المصدر ولتمويل عمليتي التنمية والاستهلاك في الدول الحائزة عليها. ترتفع التحويلات بسبب الحاجة إلى العمالة التي لا تتوافر عموما إلا في الدول الناشئة والنامية. الدول الأوروبية تحتاج إلى استيراد العمالة من الشرق الأوسط وأفريقيا وبالتالي تسهل عمليات الهجرة إليها من وقت لآخر تبعا للتوقيت والحاجات. طبعا قدوم ألوف المهاجرين عبر البحار دفعة واحدة يضر بالرغبة في الاستقبال الأوروبي وتكلفته. يساعد هذا التدفق البشري الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة المعادية للمهاجرين، فترتفع شعبيتها. تحتاج الولايات المتحدة بدورها إلى العمالة الأمريكية اللاتينية لتنفيذ عمليات البنية التحتية، كما تحتاج إلى الخبرات الآسيوية المميزة لمختبراتها وجامعاتها ولتنفيذ عمليات البحث والتطوير. تحاول إدارة الرئيس ترامب تقييد الهجرة إليها، ولابد للمحاولات المتكررة من أن تنجح حتى لو لم تكن في مصلحة الاقتصاد الأمريكي. في سنة 2016، فاقت التحويلات النقدية عالميا مبلغ الـ 500 مليار دولار، منها 40 مليار دولار إلى دول الصحراء الأفريقية أي ما يشكل 3% من ناتجها الإجمالي. في 2017، وصلت قيمة التحويلات إلى 596 مليار دولار بينها 450 مليار دولار إلى الدول النامية. من المستحيل معرفة القيمة الحقيقية الكاملة للتحويلات لأن قسما كبيرا منها يتم نقدا أو بين أفراد العائلات خلال الزيارات. الهدف ليس فقط التهرب الضريبي لكن تجنب العمولات الباهظة التي تفرض عليها. في كل حال، تشكل هذه الأموال ركائز مهمة لحماية الاقتصادات النامية من الخضات كما لتمويل استهلاك الأسر التي تحصل عليها من أبنائها وبناتها العاملين في الخارج. هل تستمر هذه التحويلات في زمن الأزمات والكورونا؟