بعد 2008 والركود الكبير، أصبح هنالك جو جديد من ضمنه تقلبات كبرى في أسعار الصرف لا يمكن تجاهلها لتأثيرها السلبي على الاقتصاد العالمي. لم يعد مجديا أن تبقى السياسات النقدية وطنية فقط، بل وجب التنسيق فيما بينها لحماية الجميع. هذا رفع من جدوى الوحدات النقدية كمنطقة اليورو التي ألغت العملات الوطنية ووحدت القيادة النقدية. بالنسبة للأوروبيين، كان الخيار بين اعتماد المارك الألماني كعملة أوروبية واحدة بقيادة البوندسبانك أو اختراع عملة جديدة مع مصرف مركزي جديد مشترك وإن يكن في ألمانيا. اعتمد الخيار الثاني علما بأن ألمانيا تبقى الاقتصاد الأوروبي الأقوى. تقود «كريستين لاغارد» المصرف المركزي الأوروبي مرتكزة على خبرتها الواسعة في صندوق النقد الدولي وغيره. ترابط الاقتصادات الوطنية عبر تحركات رؤوس الأموال وحد الاهتمام، أي هنالك رغبة عالمية في عدم إيصال الخضات الكبرى إلى الدول الناشئة التي يرتكز عليها النمو العالمي. الدول النامية تتحمل نتائج السياسات التي تقررها الدول الأخرى دون القدرة على تجنب النتائج السلبية. زادت المخاطر بعد 2008 بسبب ارتباط العالم كثيرا تجاريا، مما رفع من نفوذ منظمة التجارة العالمية. لأن الحمايات التجارية لم تعد مقبولة أو شرعية تبعا لأنظمة المنظمة، أصبحت الحرب التجارية تجري عبر النقد أي عبر تحريك سعر الصرف لرفع الصادرات وتخفيض الواردات. حروب النقد ألحقت أضرارا بالاقتصاد العالمي. كان «ميلتون فريدمان» يقول إن سعر صرف النقد يعكس فارق مستوى الأسعار بين الدول، لكن هذا ليس دقيقا لأن هنالك أمورا أخرى تؤثر على مستوى سعر الصرف كالقوانين والمؤسسات وتكلفة التبادلين التجاري والمالي وغيرها. ما هو الوضع اليوم؟ هنالك عملتان قويتان هما الدولار واليورو والعديد من العملات الأخرى الثانوية وإن تكن قوية كالفرنك السويسري. تشكل العملتان الأمريكية والأوروبية 85% من الاحتياطي النقدي العالمي وبالتالي من الصعب جدا إزاحة إحداهما. تاريخيا، اعتمد النظام النقدي العالمي على عملتين أساسيتين كالدولار والإسترليني في فترة 1920 - 1930 أي ما يشابه النظام النقدي العالمي الحالي. هل ترغب الصين في لعب دور نقدي عالمي؟ لا تشير الوقائع إلى ذلك. هل يتعافى اليورو بعد الخضات الكبيرة التي تعيش فيها أوروبا وإن تكن ذات مصادر سياسية وإنسانية وصحية وديموغرافية؟ لا بد من مراجعة نقاط الضعف لأن هنالك مصلحة في وجود أوروبا قوية اقتصاديا. مع تسلم بايدن الرئاسة الأمريكية ويللن وزارة المالية، يمكن توقع دولار أقوى وجاذب أكثر في الأسواق العالمية. هنالك ظهور حديث لعملات إلكترونية ورقمية، لها عدة أشكال لكنها تتشابه في مبادئها، أي ليست هنالك مصارف مركزية وراءها بدءا من البيتكوين وغيرها. تتعزز هذه العملات لأن الثقة في النقد التقليدي ضعفت مع الأزمات وقلق المواطنين. لا ننسى دور الذهب الذي يتعزز أيضا في الأزمات، علما بأن البيتكوين أخذ بعض الوهج منه لكن في نظرنا لفترات قصيرة لأن الذهب معدن وله وجهات استعمال أخرى ذات فوائد كبيرة.