كانت المقاهي الشعبية التي تقدم القهوة العربية والشاي مع الحليب أو بدونه، وبعض المأكولات والحلويات المحلية، تنتشر في عدد من أسواق وحارات العواصم الخليجية، فيما تغيب عن القرى والمناطق الأخرى، وتجتذب في الغالب كبار السن، الذين يلتقون فيها لتمضية الوقت وتجاذب أطراف الحديث، واستعراض ذكريات الماضي والترفيه عن النفس... وكانت أسعار المشروبات والأطباق البسيطة وأرباحها متواضعة جدا تتناسب مع دخول الناس وأوضاعهم المالية في تلك الفترة من الزمن، ولم تكن المقاهي الحديثة منتشرة في منطقتنا الخليجية، كما هو الحال في أوروبا وأمريكا وبعض دول العالم، التي تقدم القهوة بمختلف أنواعها، السوداء، أو تلك التي تمزج مع الحليب ومكونات أخرى عديدة، الساخنة والباردة، والكيك المحلى والحلويات، والتي تحولت في السنوات القليلة الماضية إلى جزء من الثقافة العامة، وترفيه أساسي في برنامج الأفراد والأسر والسياح في منطقة الخليج، بعد أن أصبحت المجمعات التجارية والأسواق والأماكن العامة والمواقع السياحية... تزخر بهذا النوع من المقاهي التي تعددت أسماؤها وتفنن المصممون في تقديم تشكيلات من اللمسات الجمالية والديكورات الممزوجة بألوان مريحة تبهج النفس، المحبوكة ببراعة الفنانين الذين اتقنوا عملهم، وتحتوي على رسائل شتى تدعو محبي ومتذوقي القهوة وعشاق المقاهي والكتاب والقراء لزيارتها مرارا. وقد أصبحت المقاهي الحديثة من الأنشطة التجارية البارزة التي يقبل عليها الشباب خاصة، على تأسيسها والاشتغال بها وفيها، بسبب الإقبال الكبير عليها ولما تدره من أرباح جيدة - يخبرني صديق يمتلك مقهى بأن سعر فنجان قهوة يكلفه في حدود ١٨٠ بيسة، ويباع بحوالي ريال ونصف - فقدموها في قوالب وتشكيلات وهيئات ولمسات ومسميات متنوعة تبهر زائريها، واختاروا مواقعها بعناية تشجع على استقطاب أكبر عدد من الناس، وابتدعوا أذواقا من القهوة والكيك محفزة على النمو والانتشار. ووجدت قبل أيام في زيارة لي إلى مجمع تجاري في قلب العاصمة مسقط، مواقف السيارات الكثيرة مزدحمة يكاد يصعب الحصول على شاغر فيها، وعندما أخذت جولة فيه، اكتشفت أن معظم ذلك الحشد من الزائرين لهذا "المول" التجاري يتكدسون في عشرات المقاهي التي تنتشر في ممراته ومحلاته وزواياه، وعندما كنت في أوروبا في آخر زيارة لها كتبت ما يلي "تعد المقاهي والمطاعم الحديثة، معلما مهما من معالم المدينة السياحية، فالمقاهي التي تفترش الساحات والميادين العامة والأزقة والردهات والزوايا التي تمتد كأذرع الأخطبوط التي تربط أطراف المدينة أو القرية بمركزها، بما تقدمه من أقداح القهوة بأنواعها ونكهاتها، وأشكال من المخبوزات الطازجة والحلوى اللذيذة... من متع السفر الكثيرة وجزء أساسي من الثقافة العصرية، لذلك لا نفوت فرصة زيارة مدينة أو معلم تاريخي أو قرية سياحية، إلا وننتقي أجمل المقاهي وأفضلها موقعا لاحتساء القهوة وتناول الفطائر وقطع الحلوى التي تشكل جزءا من الثقافة المحلية". وفي ولايات نزوى وبهلاء والحمراء، وعدد من المواقع السياحية، حول وأسس الشباب العمانيون البيوت والدكاكين القديمة إلى مقاه حديثة مزجت في لمساتها وملمحها وتصاميمها بين وجه الماضي وحداثة الحاضر، فأصبحت وجهة سياحية وثقافية مهمة، وترفيها للمجتمع ومكانا للقاءات والحوارات وتمضية الوقت، وأنعشت المعالم السياحية وأنشطة وأوردة اقتصادية وتجارية مرتبطة بها.