"كوفيد19".. نقاشات ترصد تحولاته الاجتماعية

كيفت المجتمعات أساليب حياتها وممارساتها وأعرافها وتقاليدها بما يتوافق مع الإجراءات والاحترازات الصادرة عن حكوماتها، لحماية المواطنين في كل بلد من إصابات ووفيات "كوفيد19"، في مرحلة استثنائية وغير معهودة في العصر الحديث، استمرت لأكثر من سنة ونصف، ولا بوادر تلوح على نهاية هذه الجائحة والتنبؤ بالعودة إلى الحياة الطبيعية قريبا، في ظل تحورات هذا الفيروس المتواصلة والتي تدعو إلى القلق وعدم اليقين بنجاح اللقاحات على التعامل مع السلالات المستجدة، التي تعمل جاهدة شركات الأدوية لتصنيع جرعات معززة تواجه التحور السريع، الذي بدأ من "ألفا" البريطانية، إلى "بيتا" الجنوب أفريقية، ف"جاما" البرازيلية، ومن ثم كارثة التحور الهندي "دلتا"، وكل متحور يصنف بأنه الأسرع انتشارا والأكثر فتكا والأعظم خطرا وتهديدا. ومنذ بدء اكتساح هذا الوباء لبلدان العالم وما رافقه من إجراءات الحظر والعزل والإغلاق الكلي أو الجزئي، واحترازات بإلزامية لبس الكمامات والتباعد الجسدي ومنع التجمعات وغسل اليدين بالماء والصابون، وإقرار عقوبات على المخالفين. والنقاشات لم تتوقف بين العلماء والباحثين والمفكرين وحتى الأشخاص العاديين لقراءة ورصد وتقييم التحولات التي يحدثها "كوفيد19"، على قيمنا وتقاليدنا وأعرافنا وممارساتنا اليومية، والتي قد تمتد وتستمر إلى ما بعد الإعلان عن انتصار العلم عليه، والعودة إلى الحياة الطبيعية، فالإجراءات والاحترازات المقررة والملزمة انعكست على حياة الناس بشكل مباشر في صلاة الجماعة وفي الأعياد والاعراس ومجالس العزاء. ويتناول هذا المقال التأثيرات ذات العلاقة بالمخصصات المالية والانفاق المبالغ فيه والتكلفة المادية المرهقة التي توجه وتصرف على هذه المناسبات الاجتماعية، وتكبل الأسر والأفراد بالديون والقروض البنكية، ففيها "تتحمل الأسر الخليجية أعباء متراكمة من التقاليد والأعراف الموروثة والتي ما نزال متمسكين بها حتى اليوم، رغم التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي مرت بها منطقتنا"، كما نوهت إلى ذلك في مقال سابق نشرته "لوسيل". وفي ظل إجراءات الاغلاق والاحترازات والتباعد الجسدي، والتعليمات المشددة والعقوبات المقررة، وعلى سبيل المثال، انتظر الناس في بلداننا الخليجية بضعة أشهر إلى أن تنفرج الأزمة فيعودوا الى حياتهم الطبيعية، ليحتفلوا بالبذخ ذاته بما يرافقه من زهو ومظاهر في أعراسهم، وعندما طال أمد الوباء، اضطروا إلى الإعلان عن مواعيد عقد زواج أبنائهم واخوانهم وموعد زفافهم في احتفاء بسيط جدا ودعوة عدد محدود من أقارب الدرجة الأولى في العائلة لا غير، وبموازنة مريحة وغير مكلفة، فأحدث ذلك تحولا في التقليد المعروف المصاحب لعقد القران والزفاف من استعداد مسبق لأيام، ودعوة موجهة لعموم الناس من أقارب وجيران وأصدقاء ومعارف وزملاء، وموازنة ضخمة معدة للبرنامج الثري الحافل، واستئجار لقاعة الاحتفال الصاخب وتوزيع للهدايا وبذخ في موائد الاكل. واجهاد جسدي، وانسحب ذلك على جميع المناسبات من أعياد شهدت حظرا، ومنعا للتجمعات، أو إغلاقا كاملا كما يحدث في سلطنة عمان أيام عيد الحج الذي نحتفل به هذه الأيام، وتحول الجهد في أداء واجبات العزاء التي لا تتوقف مع ما تستنزفه من وقت وجهد، وتجشم مخاطر وعناء مشاوير تصل إلى مئات الكيلو مترات أحيانا، إلى الاتصال الهاتفي أو صياغة رسالة "واتسبية". فهل سيجد الناس في هذا التغير رفقا وبساطة بهم وخيارا حررهم من الكلف المالية الضخمة؟ وهل سيحدث "كوفيد19" تحولا في الأعراف والتقاليد والعادات والقيم المتوارثة منذ قرون؟ علينا أن ننتظر قليلا من الوقت، قبل أن نصل إلى حالة من اليقين والثقة في الإجابة على الأسئلة المطروحة.