لماذا نسافر؟ وننفق المال الكثير على سوقه الواسع، المتعدد والمتنوع في أنشطته وأغراضه، المغري بخياراته ومذاقاته، المتطور والنامي باستمرار في حزمه وباقاته واسهاماته ووجهاته وتيسير إجراءاته، واستطلاع ما توفره كل مدينة ودولة من إمكانيات وتحقيق لرغبات واحتياجات القادم إليها؟ مع أن السفر مكلف، وبعض أهدافه وغاياته أو أغلبها ترفيهي سياحي تصنف في خانة الكماليات التي يمكن الاستغناء وصرف النظر عنها، والتفكير بدلا منها في استثمار النقود المخصصة للسفر في أغراض تعطي فوائد مالية وتحقق موارد تسهم في زيادة الدخل والادخار للمستقبل، استثمار في سوق المال أو العقار أو التجارة. ولكن السفر طموح وعشق ودافع يسكن الإنسان رغبة وتطلعا إلى الاكتشاف والاستطلاع والتعلم وإجراء المقارنات وتوسيع دائرة الثقافة والاستفادة من الآخر وتجاربه وما بلغه من تقدم، ودوافع السفر وأهدافه كثيرة، من أجل الدراسة والعمل والبحث عن الفرص والاستثمار والتجارة والعلاج والسياحة والاستجمام. وكل من يسافر له مقاصده وغاياته لذلك فإن سوق السفر ضخم وقطاعه نامي ومستدام، وبات هدفا أساسيا في خطط وبرامج الحكومات لتحقيق جملة من التطلعات، مثل إنجاح سياسات تنويع مصادر الدخل - تعزيز الموارد - توفير وظائف للعاطلين والباحثين عن عمل - تنشيط وتحفيز الأسواق والأوردة والنشاطات والاستثمارات المعتمدة على السياحة - التسويق والترويج للدول والتعريف بتاريخها وثقافتها وانجازاتها عبر سوق السياحة الذي يجذب ملايين السياح سنويا إليها. تحث الكاتبة "فايزة محمد" على السفر، في أحد إصداراتها في كلمات معبرة "أحث القارئ الذي يملك زادا وراحلة أن يشق الطريق خارج وطنه، سائحا أو طالبا للعلم أو جوالا، حتى يجمع خيوط المعرفة، وتصقله التجربة، ويكتسب مهارات شتى، ليكون جسرا حضاريا بين حضارة موطنه الأصلي وحضارات الدنيا المتباينة؛ فلكل بلد نكهة خاصة، وعاداته وتقاليده الحضارية التي لا تشبه حضارة أخرى"، فلا غرو أن نعشق السفر، ونحلق برحلاتنا إلى أصقاع الدنيا، وتعول شركات السياحة وأسواق السفر واستثماراته وأنشطته وأعماله على هذا العشق وعلى دوافعه ومقاصده وغاياته الكثيرة والمتنوعة. ففي تحقيق صحفي لمجلة العربي، بعدد "771"، لشهر "فبراير" الماضي، بعنوان "كيف السبيل إلى سفر الاستجمام"، تضمن العديد من المؤشرات والقراءات الخاصة بسوق السفر، ففي دراسة أجراها موقع "بوكينج. كوم"، على شريحة من عشرين ألفا وخمسمائة مسافر عالمي، أظهرت "ارتفاع معدلات السفر الفردي، حيث قام خمسا المسافرين في العالم برحلة فردية عام 2021م، وخمس آخر يخطط للقيام بذلك في المستقبل. بينما بلغت القيمة السوقية في سوق السفر العالمية الترفيهية 4.405.5 مليار دولار أمريكي في عام 2021م، ومن المتوقع أن تصل إلى 6.347.8 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2027م. وفي محور "السفر الترفيهي"، اشتمل برنامج تطوافي الأخير على قائمة من مدن وبلدان أوروبا الشرقية، انطلاقا من مدينة ميونيخ الألمانية، وسوف أوثق في الجزء الثاني من هذا المقال بعضا من مشاهداتي وانطباعاتي التي رصدتها في جانبها الاقتصادي. عبر هذا التطواف الزاخر بالمنافع كما هي سمات وخصائص السفر.