قليل من الفساد

أعلم أن الفساد سلوك غير مقبول وغير صحيح بالمطلق، لأنه يتنافى مع القيم الأخلاقية الحميدة التي يستسيغها المجتمع، فهو أخذ المال مقابل قيام مسؤول بعمل ما لا يجب عليه القيام به وهذه هي الرشوة، وهو تحيز المسؤول إلى جهة ما أو فئة معينة من الناس لأخذ ما هو ليس من حقهم وهذه هي المحسوبية، وهو تفضيل طرف على آخر للقيام بعمل لصالح الدولة أو المؤسسة دون وجه حق بالتفصيل وهذه هي المحاباة، وهو أخذ المال العام أو التصرف به للمصلحة الشخصية دون وجه حق وهذا هو مفهوم نهب المال العام. هذه مجموعة من مفاهيم الفساد ولكن علينا أن نعي أن هنالك مسببات كثيرة للفساد، أهمها انهيار المنظومة الأخلاقية الأساسية والتي أدى سقوطها إلى تفشي الفقر بسبب انعدام التنمية وتراجع دور السلطات الأساسية في البلاد، القضائية والتشريعية، لصالح السلطة التنفيذية ومركزية السلطة، الأمر الذي يقود السلطة المركزية إلى دعم ومهادنة المكونات اللوجستية للسلطة من مقربين وأجهزة دعم ومساندين في قسم العلاقات الخارجية وغيرهم، مما يعزز مفهوم الفساد كقيمة مسلم بها. وفِي هذا الصدد وفِي إطار الواقعية والمرونة المتوازنة أجد أن إدارة قليل من الفساد قد لا يضر، بمعنى أن أي محاولة إصلاحية شمولية لابد أن تأخذ موضوع الفساد بعين الاعتبار كجزء مكون للعملية الإدارية الشمولية ولابد من القبول بنسبة محددة منه حتى تتسنى الرقابة عليه وحتى تضمن السماح للتغيير بالمرور دون أن تتم محاربته من قبل الفساد، وفِي هذا الصدد يندرج تحت مفهوم تقنين الفساد، أي إيجاد قنوات واضحة تتم من خلالها السيطرة والرقابة والتقويم المستمر لعملية الفساد مما يسمح بحركة تدفق الأعمال بسلاسة. إنني لا أرى عالما مثاليا متكاملا بدون سلبيات ومنغصات، فلا صحة بدون مرض ولا حديد بدون صدأ ولا رضيع من غير بكاء، فإذا كان عالمنا هذا مبنيا على المتضادات والمتناقضات، فلابد أن يكون الفساد أحد مكونات هذا العالم، وإلى موعد هذه تحية وإلى اللقاء.