تأملات اقتصادية في القرآن الكريم

القرآن الكريم، كتاب الله العزيز، فيه من التبيان لكل شيء والهداية إلى كل رشد، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾. وهو الدستور المعصوم والمحيط الوحيد الذي يمكن أن يمد البشرية بالقواعد المحكمة والتعاليم المناسبة لإصلاح المجتمعات وتحقيق الإعمار في جميع المجالات ومنها الجانب الاقتصادي بطبيعة الحال. وقد احتل الجانب الاقتصادي في حياة الإنسان في القرآن الكريم موقعاً كمياً وكيفياً ربما لم يحتله جانب آخر من الجوانب الدنيوية. فمن لطائف المصطلحات التي تحمل اللفظ أو المعنى الاقتصادي في القرآن الكريم أو التي يغلفها الجانب الاقتصادي، الطعام والشراب والسكن والزواج والطلاق والميراث والإنفاق والزكاة والتعليم والصحة والعمل والإنتاج والتبادل والتوزيع والمعاملات والحرية والعدالة وغيرها. فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان واستخلفه في الأرض لإعمارها وقد تجلت حكمة الله سبحانه وتعالى بأن جعل مسؤولية الخلافة في الأرض تتناسب في ثقلها وأعبائها مع إمكانيات الإنسان وقدراته. فالقصص القرآني ما هو إلا دراسة عميقة في التجارب الإنسانية للأمم السابقة، حيث إن سنن الله في الكون للعظة والاعتبار وهي التي تقضي بهلاك الأمة الظالمة ولو بعد حين وبنصرة الأمة العادلة، وأن الأمة التي تعمل وتبدع وتأخذ بالأسباب، تنهض وتتقدم والعكس صحيح. فقصة نبي الله هود عليه السلام مع قوم عاد تؤكد على هذا المعنى وكيف تحولت حضارة عاد العظيمة إلى هشيم تذروه الرياح. وقصة سيدنا يوسف عليه السلام وتجربته الاقتصادية كوزير للمالية ومحاربته لمشكلة القحط وُحسن إدارته للأزمة الغذائية الطاحنة، التي أصابت البلاد، بأساليب علمية مدروسة، جعلته يصل بها إلى بر الأمان. فالعلم والبحث العلمي هما المنطلق للتقدم والرقي، يقول الله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. جاء القرآن الكريم ليبين أهمية العقود والمعاملات، فكانت أكبر آية هي آية الدين، كما أنه وجه السلوك الاستهلاكي للمسلم بعيداً عن الإسراف والتبذير والترف. وقد حثَّ القرآن الكريم على العمل والإنتاج وربط بين تعاونهما عند الله تعالى حتى أصبح العمل جزءاً من الإيمان، كما أكد القرآن الكريم على القوة والهمة العالية في العمل، كما في قصة ذي القرنين عليه السلام، قال تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾، كما قاوم فكرة تعطيل بعض الثروات الطبيعية وتجميد بعض الأموال وحبسها عن مجالات الانتفاع والاستثمار، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. كما نهى القرآن الكريم عن الفساد في الأرض بأي صورة من الصور، حتى أن الربا والغش في الكيل والتطفيف من كبائر الذنوب، كما أكد القرآن الكريم على تنويع المجالات الاقتصادية، فالزراعة والصيد والتجارة والصناعة والمعادن تعدد ذكرها في الآيات الكريمات. وأخيراً، فهناك أهمية كبيرة للتأملات الاقتصادية في القرآن الكريم، لاستخراج الدرر المكنونة فيه والعامرة بالحلول الكلية، للمشاكل التي تحيط بنا، فالقرآن الكريم بحر فائض من الخيرات لكنه يحتاج إلى الناهلين.