لا شك أن الإنسان هو أكثر الكائنات تعقيداً على كل المستويات، سواء من ناحية التركيب الجسدي البيولوجي وما يحويه من مليارات الخلايا ومن الأنظمة المنفصلة في التشغيل والعمليات والمتصلة بالتكامل والأهداف، فهو كوّن متكامل في حد ذاته، وعلى الجانب الآخر فهو مزيج عملاق من التناقضات والتناغمات والأفكار والطموحات والصراعات الداخلية بين تلك القيم التي يُؤْمِن بها وتلك المبادئ التي تحدد طريقه وبين ما يتفق معها من رغبات وما يختلف من أهواء، بين حالة الرضى مع الطموح أو الإحساس بالخطيئة مع حالة الجموح عن المسار، والتساؤل الكبير المشروع طرحه هو المسار بحد ذاته كيف نعرف أننا أصلاً اخترنا المسار الصحيح حتى نحكم لاحقاً على أنفسنا بالصواب أو الخطأ بناءً على المسار الذي اخترناه بداية الأمر؟، والظاهر أن مقدار المسؤولية التي يتحملها الإنسان مرتبط ارتباطا وثيقا ورئويا بمقدار المعرفة التي يتحصل عليها، فكلما زادت المعرفة زادت المسؤولية وزادت الهموم والإشكاليات المتعلقة بها، فكلما أبحرت في الدين أكثر، على سبيل المثال كلما زادت مسؤوليتك تجاه الالتزام بتعاليمه، وكلما تعمقت في عملك أكثر أصبحت خبيراً به وبالتالي ستزيد درجه الاعتماد عليك أكثر هكذا في كل مناحي الحياة، هذه هي ضريبة المعرفة، ولكن لِماذا يسعى الأذكياء منا للمعرفة والعلم والاطلاع وإمعان الفكر في كل شاردة وواردة والتفكر في كلام الله وفِي خلق الكون وسبب الوجود ونهاية الأمور وآخرة الكون، لماذا قد يجهد البعض نفسه وعقله إلى درجة الألم، بينما يكتفي البعض الآخر بأن يعيش الحياة بما فيها من معطيات، سلبية كانت أم إيجابية، والإجابة هي أن كل إنسان هو كوّن بحد ذاته، يتسع بمقدار ما يتحصل عليه من المعارف والعلوم، علماً بأن فطرة الإنسان مبنية على الفضول والبحث والسؤال الذي يقود إلى المعرفه. وفِي هذا السياق تذكر إحدى الروايات عن سيدنا إبراهيم، حيث قالت: مر إبراهيم على دابة ميتة قد بليت وتقسمتها الرياح والسباع، فقام ينظر، فقال: سبحان الله، كيف يحيي الله هذا؟ وقد علم أن الله قادر على ذلك، كما ورد في سورة البقرة من الآية 260 قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» صدق الله العظيم. إن القلب لا يطمئن وإن الفؤاد لا يستقر وإن العقل لا يرتاح وإن الروح لا تسكن إلا بالإيمان المبني حقاً على المعرفة وليس المسلم به، وهذا هو سبب إرهاق الذات في لذة ألم البحث عن المعرفة، فقط هم العالمون، هم الذين يخشون الله حق الخشية، ويستحقون أن يرثوا الأرض، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) فاطر/28. العلم سبب التكليف والتكليف بالعلم سبب النجاح والنجاح هو قلب الاستخلاف في الأرض وأساس بناء الكون بمعناه المفرد المجازي وبمعناه الكلي الشمولي، وإلى أن نلتقي هذه تحية وإلى لقاء.