الاقتصاد والناس

الاقتصاد، ذلك العلم الجامد ذو المصطلحات الصعبة وغير المفهومة لدى كثير من الناس، هو علم ونشاط بشري يشمل إنتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك السلع والخدمات، أما من الناحية اللغوية فمصطلح الاقتصاد يعني الشراء مع درجة من التوفير او وباختصار هو التوسط بين الإسراف والتقتير، مؤخرا ومع التطور السريع للحياة ومع انتقال المجتمعات من شكلها البدائي لتصبح مجتمعات مدنية متطورة، تزايدت متطلباتنا الاقتصادية بشكل كبير وهو الأمر الذي أدى الى تداخل كامل بين حياتنا الاقتصادية والاجتماعية، وهو أيضا ما حول الحياة الى مجموعة من العلاقات المتشابكة بين الأنشطة المتنوعة والتي يتم تحديدها واختيارها بناء لقدراتنا الشرائية وطاقاتنا الاقتصادية، فالمجتمع وللأسف بات أسيرا لمظاهر خارجية تعكس المستوى الاجتماعي والمادي لما يرتديه أفراده من ملابس وما يقودونه من سيارات، فهذا المكان لا يسمح بدخول الزائرين إلا باللباس الرسمي وتلك الخدمة تحتاج الى موافقات واشتراكات خاصة للحصول عليها، حتى حسابات البنوك فقد قُسّمت الى حسابات عادية وأخرى تختص بخدمة الشخصيات الهامة فقط، بل وأكثر من ذلك فقد امتد أثر هذا التداخل وارتبط مع مفهوم الحرية الاقتصادية والاستقلالية المالية ليظهر بشكل واضح في سلوكنا وعاداتنا اليومية حيث أصبح كل فرد من افراد العائلة يملك قراره الشرائي الحر بل وباتت المرأة والأم بكل ما تملكه من صفات إنسانية جميلة رمزا للتسوق والشراء، فها هو الطفل ذو العشرة أعوام يتحدث مع صديقه عبر هاتفه الخاص، وها هي الطفلة الجميلة تبحث في تفاصيل العالم الافتراضي عن أصدقاء حقيقيين، وبالطبع فإن هذا كله يحتاج الى حاسوب وهاتف ذكي بالإضافة إلى اشتراك شهري بخدمة الإنترنت وغيرها من المصاريف الأخرى، وبالتالي ومن هذا المنطلق فإن تبسيط الفكرة الاقتصادية بمفاهيمها المختلفة وتسهيل وصولها للأسرة بات برأيي حاجة مُلحّة للجميع، فما قد يكون مسموحا لاقتصاد الآباء قد لا يصلُح لاقتصاد الأطفال أو اقتصاد المسنين، فلكل جيل حاجاته ولكل شخص رغباته كما أن لكل منهما قدراته وخبراته، ومن هنا فإن البداية الصحيحة للطريق قد تكون عبر معرفة المقصود الحقيقي بمفهوم "الاقتصاد"، وكيف نجعله عونا لنا في تصحيح مساراتنا الاجتماعية وعاداتنا اليومية، بل كيف لنا أن نتعامل معه على أساس تحقيق الفوائد القصوى بالاستفادة من مميزات وحسنات هذا العلم مع تحقيق الحد الأدنى من آثاره السلبية. بداية فإن الاقتصاد علم يعتمد على حياتنا اليومية وممارساتنا العملية وبالتالي فإن أسسه تعتمد على الموارد الاقتصادية المتاحة وقدرات الشعوب على استغلالها في كل منطقة، وبالتالي فإن تلك المصطلحات الاقتصادية المعقدة وبرغم أهميتها للمتخصصين، إلا أنها لا تعدو كونها توصيفا لحالات متغيرة تمر بها دورات الدول الاقتصادية وبالتالي فإن الأفراد العاديين غالبا قد لا يشعرون بحاجة ماسة لفهمها بالمعنى العميق، فبالنسبة للكثير فإن التضخم ما هو إلا ارتفاع للأسعار والانكماش ما هو الا انخفاض أسعار وعدم رغبة بالشراء أما السندات فهي مجرد أوراق لإثبات ديون تستحق السداد لاحقا، والعملات الافتراضية أو الرقمية هي بالحقيقة نقود بشكلها الخفي.  وإذا نظرنا بصورة أكثر تفصيلا فإننا سوف ندرك وبشكل مباشر أن الآباء مثلا لهم حاجاتهم المالية ومتطلباتهم الاقتصادية فهم وبنطاق مسؤولياتهم ورغباتهم يبحثون عن مصادر الدخل المتنوعة وطرق الاستثمار الآمنة التي تمكنهم من تلبية حاجات عائلاتهم أولا ثم الادخار لتأمين مستقبلهم العلمي والمهني لاحقا، أما الأبناء فهم يدورون في دائرة اقتصادية مختلفة تبدأ بالتركيز على طرق الإنفاق وتمر بتلبية الرغبات لتنتهي عند قرارات شرائية تعتمد على ما يشعرون به وما يعتقدون أنه أساس لسعادتهم وعلاقاتهم الإنسانية، أما إذا وصلنا لاقتصاد المسنين أو كبار السن - الناضجين - فإنه من المهم معرفة أن أهم متطلباتهم المالية تكاد تقتصر على كيفية تأمين حاجاتهم الأساسية دون الحاجة للعمل المضني في سنوات عمرهم القادمة، ومن هنا فإن الإنسان وبرغم تركيزه على العمل والإنتاج إلا إنه أيضا بحاجة دائمة لتجديد مفاهيمه الاقتصادية ومسايرة النظريات الاستثمارية الحديثة ولو بالحد الأدنى لتحقيق المكاسب والارباح التي ولدتها التكنولوجيا والعلوم الحديثة، فبنظرة سريعة على الغلاء المستمر للأسعار وبالتالي ارتفاع قيمة المنتجات فإننا نجد أن من ادخر لسنوات بهدف شراء منزل مثلا وصل بعد كل هذه السنين لخيارات عديدة أهمها أن المبلغ الذي كان يهدف لتحقيقه منذ سنوات لم يعد كافيا لشراء منزل الأحلام أو أن الحالات الطارئة التي واجهها في الحياة قد أكلت معظم المبلغ المدخر، ليبقى الهدف بعيد وصعب المنال، أيضا وبنفس الوقت فإن من ادخر واستثمر ولو بنسب مخاطرة مرتفعة نسبيا استطاع تحقيق أرباح وبمعظم الأحيان ساعدته على قطع مسافة لا بأس بها على مستوى تحويل أحلامه الى واقع ملموس. فالعملات الافتراضية وبرغم خطورتها مثلا فقد حققت في سنوات سابقة أرباحا بلغت أضعافا وأضعافا أما الذهب فقد وصل الى أعلى مستوياته على الإطلاق في مارس من عام 2022 مثلا، وبالنسبة لسوق السلع والمنتجات فقد ساعدها التضخم الحالي على الوصول لأرقام قياسية لم تُحققها السلع منذ سنوات طويلة أما أسواق المال وبورصات الأسهم فهي وبرغم جائحة -كورونا- عادت في العام السابق لتحقق قمما قياسية لم تصل لها سابقا حيث تحول المستثمرون فيها الى تجار يحصلون على أرباح مجزية بشكل يومي أو أسبوعي، وهنا كان لابد من وقفة ومراجعة سريعة لأهدافنا المالية وإلى ما وصلنا إليه في سبيل تحقيقها، فبرغم ما نشعر به أحيانا من خوف وتردد قبل أي استثمار يبقى الفهم الأدنى لمبادئ علم الاقتصاد هو المفتاح السحري لمواجهة التغير السريع بالطرق والأساليب الحديثة لجني الأموال. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإنه وبالرغم من ادعاء معظم الناس جهلهم لعلم الاقتصاد والاستثمار الحديث إلا أنني أصبحت أؤمن أن لكل شخص عالمه الاقتصادي الخاص وقوانينه المالية التي تلائمه والتي إن عرف خباياها وأدرك أسرارها استطاع أن يحقق في شهور من العمل ما لا يمكن تحقيقه بسنوات طويلة من التردد والتفكير وهنا أتذكر المقولة الشهيرة "اعرف نفسك قبل أن تعرف عدوك".