وعي شعبي ودولة قوية

المهم جدا أن تتكون في المجتمعات دولة قوية تسير أمور الاقتصاد والحاجات الوطنية. الدولة القوية هي الفاعلة والواعية وليست الجائرة والظالمة. الحدود بين الدولة القوية والضعيفة ليست كبيرة ومن الممكن الانتقال بسرعة من وضع لآخر. الدولة القوية هي التي تمنع الفوضى وتحمي الحريات المختلفة ضمن القوانين وعبر القضاء والوسائل الأمنية المشروعة. الدولة القوية هي التي تفرض القانون وتؤمن الخدمات العامة وتمنع الأعمال العنفية أي الشغب. لا يمكن حماية الحريات في دولة لا تقوم بواجباتها كاملة ولا تفرض سلطتها عبر المؤسسات والقوانين. ترتكز حماية الحريات على وجود دولة قوية ومجتمع قوي يحميها. المجتمع القوي هو الذي يتابع سير الأمور بوعي وفهم ويمنع التسلط ويفرض على الجميع في الحكم والدولة احترام الشعب والقوانين والمؤسسات. الإعلام الواعي ضروري لنقل المعلومات والأخبار التي تسمح للشعب بالمتابعة. لا يمكن لمجتمع قوي أن يتكون من دون إعلام جدي عصري يعطي المواطن كل المعلومات. لو تركت الأمور للرئيس ترامب لبقي في الحكم حتى اليوم، وأحداث 6 - 1 - 2020 تشهد على ذلك. حاول استعمال كل الوسائل للبقاء أي القانون والقضاء والعنف والتهديد السياسي والوظيفي، لكن أكثرية المجتمع الأمريكي مباشرة وعبر المؤسسات قال له انتهت اللعبة. حتى القضاة الذين عينهم هو شخصيا رفضوا ادعاءاته وقالوا له إن المنافسة كانت صحيحة ولا بد من مغادرة البيت الأبيض. لم يكن ليحصل كل هذا لولا الضغط الشعبي العام بالرغم من وجود عدد لا يستهان به من المواطنين الذين يريدون قلب الطاولة وإلغاء النتيجة وإبقاء الرئيس دون وجه حق. وعي المجتمع العام للتحديات والمخاطر هو أساس الحريات واحترام القوانين والمؤسسات. الدولة القوية هي التي تؤمن هذه العلاقة الفاضلة بين المجتمع والسلطة احتراما للجميع. لو كان لنا في لبنان هذا النوع من الضغط الشعبي، لما سمحنا للحكام أن يأخذوا كل الوقت لتشكيل الحكومات في ظروف دقيقة ولما كنا سمحنا للسياسيين والقضاء بأن يتجاهلوا الحقيقة الكاملة بشأن جريمة 4 أغسطس التي دمرت النفوس والعقول قبل المادة.  احترام الحريات هي معركة دائمة في كل المجتمعات والذي يحميها هو الشعب بوعيه. في فرنسا مثلا، رأينا مطالبات واسعة في الشارع لإلغاء بند في قانون جديد يمنع المواطنين من تصوير عمل الشرطة في المظاهرات ثم توزيع الصور والأفلام لضبط تصرفات الشرطة والأمن. قامت القيامة على الدولة وعلى وزير الداخلية تحديدا ولم تقعد. جرى تعديل المادة 24 من القانون الجديد تحت الضغط. معظم الحكومات في العالم تحاول تقييد الحريات إذا استطاعت، والذي يمنعها هو الشعب الواعي المطالب بحقوقه والذي يقوم بواجباته. لا نتكلم عموما عن هذا النوع من الصراعات في معظم الدول الناشئة والنامية لأن مشاكلنا ربما أكبر. ما رأيناه في هونغ كونغ وتايلاند مؤخرا يعبر بوضوح عن الصراعات الكبيرة حول الحريات والحقوق التي تنعكس بسرعة على الاقتصادات في الاستثمار والنمو.