من ضمن المقترحات التي وردت في معرض البحث عن معالجات للأزمة المالية التي تمر بها دول عديدة بالمنطقة، المتمثلة في عجز الموازنات العامة نتيجة تذبذب أسعار النفط في السوق العالمي، جاءت فكرة دعم وتطوير الاستثمار في المعرفة، وهي بلا شك فكرة صائبة، تستجيب لمطلبين أساسيين لا مندوحة من تلبيتهما، وتحقق هدفين جوهريين تزداد الحاجة إليهما يوما بعد يوم. الأول، الإسهام بقدر غير يسير في سد العجز في موازنة هذه الدول، إذ بات جليا أنّ قطاع المعرفة في الزمن المعاصر يؤدي دوراً أساسياً وحاسما في دنيا الاقتصاد، إذ تعتبر المعرفة في الوقت الراهن من أغلى السلع في العالم. وأنّ القيمة السوقية لشركات هذا القطاع تجاوزت قيمة الشركات التي تتعامل بالسلع التقليدية أو تمارس أنشطة تقليدية، وأفضل مثال، تلك النجاحات التي تحققها شركات فيسبوك وجوجل ومايكروسوفت وغيرها من الشركات المماثلة. فضلا عن أن اقتصاد المعرفة أصبح اليوم يمثل محورا رئيسيا في مضمار التنوع الاقتصادي. ولعل مما يوضح ذلك، ما أعلنه سعادة الشيخ أحمد بن جاسم بن محمد آل ثاني وزير الاقتصاد والتجارة القطري في أعمال مجلس التجارة والاستثمار القطري الأمريكي بواشنطن من ان دولة قطر تسعى للتحول بحلول العام 2030 إلى اقتصاد قائم على المعرفة يقوده القطاع الخاص، يصب في هذا الاتجاه، وذلك اذا اخذنا في الاعتبار ما أعلنه الوزير من أن مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي، ارتفعت من 42٪ في العام 2010 إلى حوالي 50٪ خلال العام الماضي. حيث أدى القطاع غير النفطي دوراً محورياً في النمو الاقتصادي الذي شهدته الدولة خلال الفترة من العام 2011 إلى العام 2015، حيث ساهم هذا القطاع بحوالي 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في العام الماضي. المطلب والهدف الثاني، اللحاق بعصر التكنولجيا الرقمية لخلق جيل مواكب للتطور التكنولوجي والمعرفي، جيل متكامل ومتفاعل ومنسجم مع العالم من حوله، ذلك أن الاستثمار في هذا الحقل يضمن تنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل والوظائف للمؤهلين معرفياً والمبدعين والمبتكرين ولأصحاب المهارات، فالاستثمار المعرفي بعبارة أخرى هو استثمار في العقول والأموال. ويمكن التذكير هنا بأن الولايات المتحدة الأمريكية الرائدة عالميا في مجال الاستثمار المعرفي، هي الأعلى تركيزاً على الاستثمار المعرفي مقارنة باقتصاديات الدول المتقدمة. حيث مثلت صناعات التقنية الحديثة المبنية على المعرفة ما يقارب الـ 50 ٪ من الناتج المحلي الأميركي في السنوات الخمس الاخيرة. وعرفت السنوات العشر الماضية توجهاً قوياً لعديد من الدول الآسيوية في الاستثمار المعرفي خاصة الصين وكوريا وتايوان وماليزيا وسنغافورة. وتعتبر أمريكا واليابان الأفضل عالميا في تحويل الاستثمارات إلى ابتكارات. ومن حيث الإنتاجية، تعتبر الصين وكوريا الأسرع نموا في العالم (بعدد براءات الاختراع مقارنة بنسبة الإنفاق في الاستثمار المعرفي) في السنوات الأخيرة.