نظمت مؤسسة الفكر العربي مؤتمرها الدوري بالعاصمة أبوظبي الأسبوع الماضي تناول العديد من القضايا المهمة الخاصة بالتكامل العربي، وبالأخص التكامل الاقصادي مؤكدا نجاح التجربتين الإماراتية والخليجية، ممثلتين في دولة الإمارات ومجلس التعاون الخليجي. وفي ورشة العمل الخاصة بالتكامل الاقتصادي والتنموي حددت العديد من أوجه التعاون التي يمكن تطويرها انطلاقا من المصالح المشتركة للدول العربية، خصوصا وأن هناك معضلات اقتصادية مشتركة تم تحديدها، كفرص العمل، وبالأخص بين الشباب، حيث بلغ عدد الباحثين عن عمل في الدول العربية 5.1 مليون شخص وبنسبة 35%، كما تمت الإشارة إلى ضرورة تسهيل انتقال رؤوس الأموال والاستفادة من الطاقات في كافة المجالات. ومع أن مجمل هذه الآراء تخدم التطلعات التنموية العربية، إلا أن الأحداث في السنوات الأخيرة في بعض الدول، كسوريا والعراق وليبيا واليمن أهدرت طاقات من الصعب تعويضها، مما يتطلب معالجة هذه التداعيات والتي بدونها يصعب الحديث عن تكامل عربي بآفاق مستقبلية واعدة. وضمن هذه التداعيات تأتي مسألة إعادة الأعمار في الدول التي شهدت دمارا كبيرا، إذ هناك تقديرات تشير إلى أن إعادة الإعمار هذه ستكلف ترليون دولار، خصوصا وأن دول الدمار الأربع فقدت أهم مواردها البشرية، فهناك مليون قتيل وأكثر من 8 ملايين مهجر، مما يتطلب التركيز على الاستثمار في التنمية البشرية وتطوير التعليم وربطه باحتياجات سوق العمل. وقبل ذلك لا بد من إيجاد البنية التحتية للتكامل العربي والتي تضررت بشدة من الأحداث العربية، بل إن هذه البنية دمرت بصورة شبه كامل في بعضها، مما يعوق عملية التكامل العربي، كما شهدت هذه البلدان نزيفا لطاقاتها الاستثمارية ممثلة في القطاع الخاص الذي يعول عليه في التنمية وإيجادفرص العمل، إذ حدث انخفاض كبير في الاستثمارات العربية البينية لتشكل أقل من 3% من إجمالي الاستثمارات العربية الخارجية. لذلك وبدون عودة الاستقرار للدول العربية التي شهدت أحداثا تدميرية، فإنه من الصعب تطوير التكامل الاقتصادي العربي، خصوصا وأن هذه الأحداث زادت من التفاوت التنموي بين الدول العربية وفي تطوير أنظمتها التشريعية والقانونية وبنيتها التحتية وفي أنشطة القطاع الخاص. والبداية العملية للتحضير لعملية التكامل الاقتصادي العربي تتمثل في ضرورة تهيئة الأرضية التشريعية والبنية التحتية اللازمة في كل دولة عربية والعمل على تقارب وتكامل هذه التشريعات والبنى في كل قطاع لفتح المجال أمام انتقال الاستثمارات بضمانات وخدمات تتطلبها حركة رؤوس الأموال، مما سيوجد عوامل جذب ستساهم في ترابط المصالح، وبالتالي السير بخطوات عملية نحو التكامل العربي. ومع أن العديد من الأطروحات في المؤتمر حملت طابعا عاطفيا، إلا أن بعضها الآخر انطلق من ضوابط موضوعية وعقلانية تستجيب وأوضاع البلدان العربية الحالية والتي لا بد من أخذها بعين الاعتبار إذا ما أريد للتكامل الاقتصادي العربي أن يحقق الأهداف المنشودة، حيث أشير أكثر من مرة إلى نجاح نموذج التجربتين الإماراتية والخليجية، بل إن هاتين التجربتين تمت مناقشتهما وتداولهما بصورة تفصيلية إيجابية كبيرة، وهو توجه صحيح، إذ يمكن الاستفادة منهما في بناء التكامل الاقتصادي العربي. لقد تناول مؤتمر مؤسسة الفكر العربي بفضل التنظيم الجيد والحضور المميز والقضايا التي طرحت الكثير من الأفكار والآراء العملية والتي يمكن دراستها وبلورتها، وبالأخص في المجال الاقتصادي، مما سيشكل مكسبا لكافة الدول العربية ولمستقبلها التنموي.