الأهداف تبرر الوسائل

لا شك أن الديموقراطية هي النظام السياسي الأفضل في العالم. يسمح للمواطن بالتصرف بحرية في العمل والانتاج والاستهلاك كما في القيام بواجباته السياسية والاجتماعية والانسانية. الديموقراطية من دون ضوابط تنتج فسادا وسوء توزيع في الدخل كما تشير اليه كل التجارب. الديموقراطية من دون ضوابط تنتج أزمات وفوضى وغضبا شعبيا كما دلت عليه التجارب الأوروبية مؤخرا والتجارب الأخرى الناشئة. الديموقراطية من دون أسواق تنافسية حرة لا تعطي نتائج فضلى اذ أن الحرية متكاملة. الديموقراطية الجيدة تحتوي داخلها على آليات لمحاربة الفساد والفاسدين. ليس هنالك ديموقراطية مثالية انما نظام يبنى على القوانين العادلة العصرية ضمن مؤسسات فاعلة. لا شك أن السياسة هي من أقدم المهن لكن ممارستها لم تكن دائما فضلى بل استغلت في العديد من الأحيان بساطة الشعوب وربما ثقتهم، فلم تعطهم النتائج الفضلى. اختارت الشعوب أحيانا قيادات سياسية اعطتهم آمالا مغلوطة بل غشتهم وبالغت في اعطائهم وعودا غير واقعية. تختار الشعوب أحيانا عبر العاطفة وليس المنطق تماما كما يشتري المستثمر أحيانا أسهما في شركات بالغت اداراتها في اعطاء أرقام متفائلة. اختار الاميركيون «دونالد ترامب» رئيسا ليعيد القوة الى أميركا التي لم تفقدها أصلا. انتخب لأسباب عاطفية أي ربما اعتراضا على نتائج اقتصادية واجتماعية لم تعجب قسما من المواطنين، علما انه خسر الصوت الشعبي بحوالي 3 ملايين شخص. المواطن كما المستثمر يخطئان أحيانا. تشير التجارب الى أن الشعوب تختار عموما الأقوى وليس الأكفأ والأصدق والأفضل، لأن اللعب على المشاعر ليس من اختصاص أصحاب السيرة الحسنة. انتخاب الشعارات جيد، لكنه لا يؤدي الى النتائج الفضلى. قال الجنرال ديغول إن الامبراطوريات لا تنبع فقط من الممارسات الفاضلة الخيرة، اذ لا بد من وجود ممارسات غير مرغوب بها تصل الى الأهداف المطلوبة. هل الأهداف الخيرة تبرر اعتماد الوسائل السيئة؟ طبعا لا في النظريات، لأن الأهداف الجيدة لا بد وأن ترتكز على وسائل فاضلة، والا لن تعطي نتائج فضلى على المدى البعيد. المشاريع الاستثمارية الجيدة لا يمكن أن تبنى على أموال مسروقة أو نابعة من الأسواق السوداء والا أضاعت جدواها وفقدت تأثيرها الايجابي قبل أن تبدأ بخدمة المجتمع. يجب أن تكون لنا شكوك تجاه من يسوق أفكارا جيدة عبر طرق فاسدة ملتوية. للفساد معان تختلف من مجتمع الى آخر. في بعض المجتمعات، الفساد «شطارة» و «قوة» و«هيبة» وهذا مضر بل مهين. الفساد يجب أن يكون عيبا يسبب محاسبة الفاسدين ضمن القوانين المعتمدة. هنالك أمور تعتبر فسادا في مجتمعات ومقبولة في أخرى، لذا يجب أن يكون الفساد موصوفا بشكل دقيق. تجري منظمة الشفافية الدولية تقييما لكل الدول حول فسادها وتنشره سنويا مما يعطي فكرة عن عمق الفساد وانتشاره. كذلك الأمر بالنسبة للديموقراطية، حيث لها أشكالها من برلمانية إلى رئاسية وشعبية وغيرها معتمدة على مؤسسات وقوانين تعكس الثقافات والتاريخ والتقاليد.