نحن اليوم أمام كتاب «اقتصاد الاحتيال البريء»، والذي حقق أعلى المبيعات في العالم وقت صدوره، حيث يوضح الدور المشبوه الذي تقوم به إدارة كبرى الشركات في التلاعب بالأسواق والمستهلكين والحياة الاقتصادية، بل والسياسة برمتها. ومؤلف الكتاب هو أحد أبرز أعلام الاقتصاد في العالم خلال النصف الثاني من القرن الماضي وحتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهو الخبير الاقتصادي الكندي من أصل أمريكي «جون كنث جالبريث»، حيث أنتج أربعين كتابًا وأكثر من ألف مقال في موضوعاتٍ مختلفة. ويحمل كتاب «اقتصاد الاحتيال البريء» عنواناً متناقضاً في الظاهر فهو يضم البراءة والاحتيال، علاقة تبدو خيالية عندما تقرأ دون الخوض في فضح «ألاعيب الحقيقة» التي يمارسها الخطاب الاقتصادي. فهذا الاحتيال البريء الذي يلبس أثواباً قانونية يمتلك دوراً في الحياة الخاصة والخطاب العام ويمرر الأفكار في طبقات الوعي دون شعور وإحساس بالذنب تحت غطاء خدمة عامة. ويشير جالبريث إلى أن النظام الاقتصادي الحالي المسمى بنظام السوق هو إعادة صياغة فقط في المسمى للنظام الرأسمالي بعد أن ساءت سمعته كثيراً قبل الكساد المالي الكبير وما ارتبط به من الاحتكار والاستغلال البشع للعمال من أجل مصالح الكبار فقط ومصالح قلة صغيرة من الشعب. وأن الحقيقة اليوم أن الإدارات للشركات المساهمة هي المتحكم الحقيقي في السوق، وفي مفاصل الدول وسياستها بغير ما هو متصور لدى البعض، وأن حملة الأسهم رغم أنهم في الظاهر هم الملاك الحقيقيون للأسهم ومن المفترض أنهم الموجه لسياسات الشركات المساهمة وذلك عن طريق الاجتماعات السنوية لحاملي الأسهم، إلا أنهم في الحقيقة لا يعدون إلا أن يكونوا مجرد عرائس من الماريونت فقط، وأن المحرك الحقيقي هي تلك الإدارات المتمثلة في المديرين التنفيذيين. وهذا النظام أصبح المتحكم في القطاع العام، والمسيطر على التوجه العام للدول، وعلى تحريك آلة الحرب الأمريكية، عن طريق توجيه سياستها نحو مزيد من الضربات ضد الدول الأخرى، من أجل الحصول على عقود التنمية وإعادة الإعمار. ثم في النهاية السؤال الذي يغيب في ظل سياسة الاستهلاك، أين المنتج الحضاري الذي تم تقديمه بعد كل هذا الكم من الإنفاق على كل شيء؟ فالإنسان تحول إلى مادة تنتج وتستهلك دون أن تترك أي أثر حضاري يذكر بعد ذلك. وقد قطعت الحضارة خطوات واسعة في العلم والرعاية الصحية والفنون، بيد أنها – أي الحضارة – أعطت وضعًا متميزًا لتطوير الأسلحة والحرب، وأصبحت المجازر الجماعية المنجز المتحضر النهائي الجوهري. وحقائق الحرب لا فكاك منها – موت ووحشية عشوائية، وهذا هو الوضع الإنساني كما يتجلى الآن. وتمكن مواجهة المشاكل التي ذكرت هنا، وكذلك الفقر والجوع بالفكر والعمل. وقد حدث هذا بالفعل، أما الحرب فتبقى الفشل الإنساني الحاسم.