


عدد المقالات 1
هناك رجال لا يرحلون، لأن أثرهم يبقى حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، وكلما سرنا في شوارع قطر، أو رأينا جامعاتها، أو مطارها، أو موانئها، أو شاهدنا مكانتها بين الأمم، نتذكر أن وراء هذه النهضة رؤية قائد آمن بوطنه، فآمن الوطن بحلمه.
اليوم، لا يستذكر القطريون وحدهم المغفور له بإذن الله سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني طيب الله ثراه، بل تستحضره أيضًا الشعوب العربية والإسلامية باعتباره قائدًا ترك بصمة استثنائية في مسيرة بلاده، ورسم نموذجًا تنمويًا أثبت أن الدول لا تُقاس بمساحتها، وإنما بما تملكه من رؤية وإرادة وطموح.
نحن، أبناء هذا الوطن، عشنا التحول الكبير الذي شهدته قطر خلال سنوات قيادته. فمنذ عام 1995، انتقلت الدولة إلى مرحلة جديدة من تاريخها، وأصبحت لاعبا مؤثرا على المستويين الإقليمي والدولي. لم تكن تلك النهضة مجرد طفرة اقتصادية، بل مشروعا متكاملا شمل التعليم والصحة والاقتصاد والثقافة والرياضة، ورسخ مكانة قطر بين دول العالم.
لقد آمن الأمير الوالد طيب الله ثراه، بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، ولذلك كانت الجامعات العالمية، والمؤسسات العلمية، والمستشفيات الحديثة، والبنية التحتية المتطورة، جزءًا من رؤية متكاملة لبناء وطن يثق بمستقبله. وفي الوقت نفسه، استطاع أن يحول ثروة الغاز الطبيعي إلى قوة اقتصادية مستدامة، وأن يؤسس جهاز قطر للاستثمار ليكون ضمانة للأجيال القادمة، في خطوة عكست بعد نظر وحرصًا على مستقبل الدولة.
ولم يكن حضور قطر خارجيا أقل تأثيرا من نهضتها الداخلية، ففي عهده أصبحت الدوحة ملتقى للقادة وصناع القرار، واستضافت المؤتمرات السياسية والاقتصادية والعلمية، واكتسبت الدبلوماسية القطرية احتراما واسعا بفضل دورها في الوساطة وتقريب وجهات النظر والسعي إلى تسوية النزاعات في أكثر من منطقة حول العالم.
ولعل أجمل ما تركه الأمير الوالد لم يكن فقط المشاريع والمؤسسات، وإنما النهج الذي غرسه في إدارة الدولة؛ نهج يقوم على الثقة بالنفس، والاستقلالية في القرار، والإيمان بأن العمل المخلص هو الطريق الحقيقي لبناء الأوطان. ولهذا لم تتوقف مسيرة النهضة عند مرحلة معينة، بل واصلت تقدمها بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، الذي استكمل البناء على الأسس الراسخة التي وضعها الأمير الوالد.
وستظل كلماته التي أوصى بها أبناء وطنه: «أوصيكم بالثبات على الحق مهما تبدلت الأيام والأحوال»، أكثر من مجرد وصية.. إنها منهج في القيادة، ورسالة في المسؤولية، وقيمة ستبقى حاضرة في وجدان كل قطري يؤمن بأن الأوطان تُبنى بالمبادئ قبل الإمكانات، وبالإخلاص قبل الإنجازات.
رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد وجزاه الله عنا خير الجزاء لما قدمه لوطنه وشعبه وندعو الله ان يطيل في عمر حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، ويوفقه لما فيه خير البلاد والعباد.