قيم العولمة وثقافتها، نظمها ومفاهيمها، تحكمها وسيطرتها، الغاؤها المتواصل للأسوار والحدود، وجميع آليات وجهود الرقابة، واذابتها للهويات والخصوصيات، تسهيلا وتيسيرا لتدفق السلع والاستثمارات والتكنولوجيا والعلامات التجارية المهيمنة على السوق، وإحداثها المستمر للتحولات العميقة في القيم والسلوكيات ومحتوى الثقافات لكل إقليم وبلد ومجتمع، التي تتراجع في محيطها الخاص إلى فضاء العولمة في مجالها العام العالمي. تعمق العولمة الترابطات وتعزز التشابكات الاقتصادية والمالية والتجارية والثقافية، فيتفاعل الناس معها في البلدان والأقاليم التي تغزوها شيئا فشيئا. أدت العولمة إلى "جعل العالم قرية الكترونية صغيرة تترابط أجزاؤها"، بفضل أو بفعل الطفرة الهائلة في المعرفة والتقدم الواسع في العلم، والابتكارات المتتابعة وبراءات الاختراع المهولة التي حدثت في مجال "الأقمار الصناعية والاتصالات الفضائية والقنوات والبرامج التلفزيونية" وفي وسائل وحسابات التواصل الاجتماعي، وثورة الذكاء الاصطناعي، أخيرا، وخلقت عملية ترابط غير مسبوق في الأفكار والثقافات والتجارة والاقتصاد. تدفقت مفاهيم العولمة وثقافاتها وقيمها الاقتصادية والسياسية والثقافية، فأحدثت تحولات هائلة على الفكر الإنساني ومبادئه وأنماط حياته وأسلوب معيشته، وأفرزت أنماطا ومبادئ ومناهج جديدة تكاد تطمس وتمسح الخصوصيات وتراث وهويات المجتمعات ومثلها وتقاليدها التي اعتادت عليها. وصاحب هيمنتها وتوحشها نموها وتمددها، اطراء ومديح واشادة، نقد وهجاء وازدراء من قبل خبراء ومستشارين وكتاب ومثقفين وأكاديميين وساسة وإعلاميين وعامة الناس. كل هذه الخواطر والشواغل ذات العلاقة بالعولمة وتحولاتها، تواردت واحتشدت في عقلي وأنا أطوف بين أقسام وأروقة وزوايا أحد العلامات التجارية الشهيرة التي نمت وتوسعت وانتشرت تدريجيا لتفتح فروعها في معظم عواصم ومدن العالم، وتتحول إلى "شركة متعددة الجنسيات". وتشعبت تلك الشواغل فأخذتني إلى عشرات المحلات والعلامات التجارية المحلية المتخصصة في تصنيع وبيع وتسويق الأثاثات وأدوات المطابخ والاكسسوارات وبعض مواد البناء والكماليات، التي تأثرت مبيعاتها بشكل كبير بدخول هذه العلامة التجارية العالمية، بأسعارها المنافسة وجمال وجودة وتنوع منتجاتها. فمن الذي سوف يحمي التاجر والمستثمر والمنتج المحلي من توحش وهيمنة وتسلط العلامات التجارية العالمية؟ إنها العولمة تتحكم وتسيطر على الأسواق بقوة وجبروت الدول العظمى والقوانين التي تحميها، والأموال التي تمدها بالسلطة والطاقة. بدأت هذه العلامة نشاطها في السوق العماني، وفتحت أول فرع لها، وتدفق المستهلكون بكثافة لينفقوا ما في جيوبهم من أموال لشراء ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون، من بضائع وسلع كان إغراء الدعاية والعرض وجمال الشكل أكبر من احتمال الاعراض عنها والعودة دون اقتنائها حتى وإن تم ذلك بالدين والقروض المصرفية، فهذه الأسواق والعلامات التجارية لا تكل ولا تمل ولا تعرف اليأس والنكوص، وتمتلك الاعلام المهيمن القادر على اقناع العقول وإغواء النفوس، وسلب الجيوب والأرصدة كل ريال فيها، بل وتدفع المستهلك إلى أبعد من ذلك فتوقعه في شراك طلب القرض من البنوك وشركات التمويل.. فهي جميعها ذات مصالح مشتركة وتخضع لقيم العولمة وتستفيد من تشريعاتها ومن التحالف الوثيق فيما بينها الذي يذهب المستهلك ضحية له.