صناديق التقاعد الاستثمارية خزان أمان للحاضر والمستقبل

لا يختلف عاقلان حول أن أهم ما يفكر فيه الموظف بمجرد انخراطه في سوق العمل، هو تأمين حياة كريمة لما بعد تقاعده، تضمن له الاستقرار والأمان الاجتماعي في مرحلة عمرية تعد حساسة جدا، ينتقل فيها الموظف من مرحلة الإنتاجية، إلى مرحلة العيش على ما ادخره خلال فترة عمله، وتلك هي سنة الله عزّ وجلّ في خلقه، فالإنسان لابد له أن يمر بكافة المراحل العمرية المختلفة والتي تختتم بالشيخوخة والتقاعد. قديما، كان كبير السن (المتقاعد حاليا) يعيش إما على ما ادخره بنفسه، أو من تجارة أسسها، أو أن يعوله أبناؤه، ولكن أمام تطور الحضارات وبناء الشعوب والدول، التطور الاقتصادي السريع الذي شهدته الإنسانية، خاصة خلال القرن 19 من ثورة صناعية وعمالية، أتت بأنظمة وقوانين وتشريعات تحمي العامل والموظف وتحفظ له حقوقه، كان لنظام أو أنظمة التقاعد نصيب من تلك التشريعات، حيث أقرت معظم دول العالم قوانين منظمة لآلية التقاعد بل إن بعض الدول كفلت الحق في التقاعد والمعاش التقاعدي دستوريا والذي يعد من أعلى التشريعات المحددة لأنظمة وقوانين الدول. وكان من بين الآليات التي تضمن حق المتقاعد في العيش الكريم عند بلوغه سن التقاعد التي تحددها أنظمة الدول (هذه السن تختلف من دولة الى أخرى وفقا لعدد من المؤشرات ومنها معدل الأمل الحياة عند الولادة، فبعض الدول تشرع سن 60 سنة ودول أخرى ترفع السن حتى 67 سنة)، تم إنشاء صناديق وهيئات مختصة للإشراف على تنظيم آلية التقاعد سواء للموظفين المدنيين أو للموظفين العسكريين من مختلف الرتب. هذه الهيئات أو الصناديق الخاصة بالتأمينات الاجتماعية مرت بالعديد من المتغيرات والتطورات الجوهرية، فمنها ما وقف مكانه ولم يقم بإحداث التطوير، من خلال الاكتفاء بعملية استقطاع قسط من الموظف أو من صاحب العمل أو من الدولة في حالة كان الموظف حكوميا، يتم تجميع ومراكمة تلك الأقساط إلى حين إحالة الموظف المدني أو العسكري إلى التقاعد من ثم يبدأ بإعادة تلك الأقساط في شكل راتب شهري، ربما قد لا يغني ولا يسمن من جوع في ظل التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم من غلاء في المعيشة اليومية، وحتى ارتفاع تكاليف العلاج الصحي (وهذه الأخيرة تعد من الأولويات التي تهم المتقاعد الذي يصبح بحكم تقدم السن عرضة للأمراض المختلفة). على النقيض من الصناديق والهيئات سالفة الذكر، هناك صناديق وهيئات عالمية، أنتجت فكرا جديدا ومعاصرا في أنظمة التقاعد، ويمكن القول إنها حققت معجزة بتحولها من مجرد صناديق تقاعدية تصرف معاشات للمتقاعدين، إلى صناديق وهيئات تقاعد استثمارية، تقوم بإدارة تريليونات الدولارات وامتلاك مئات الأصول والأسهم والأوراق المالية، وحتى إن البعض منها أصبح يقرض الدول والحكومات، ويمتلك سنداتها وديونها، حيث قامت تلك الصناديق بالمزاوجة بين ثلاثة أهداف رئيسية، أولها تحقيق الادخار للتأمين التقاعدي للموظفين وثانيها الاستثمار وتدوير الأموال، وثالثها ضمان الاستدامة للأجيال المقبلة، وبالتالي أولا ضمان المعاش التقاعدي، ثانيا العائد المجزي للمتقاعد وحتى للموظف الذي قد يرتفع راتبه خلال فترة عمله، وثالثا العائد المجزي للدولة بما يضمن استقرارها واستقرار موازينها المالية. ولنا في تلك الصناديق والهيئات التقاعدية التي تحولت إلى استثمارية، لنا الكثير من الأمثلة، على صندوق التقاعد النرويجي الذي يدير أصولا تزيد عن 1.3 تريليون دولار، حيث يركز الصندوق استثماراته في أكثر من تسعة آلاف شركة تعمل في قطاعات مختلفة، في 75 دولة، حيث ترتكز 40% من استثماراته في أمريكا الشمالية، و38% في أوروبا، و18% في آسيا وأوقيانيا، و4% في باقي دول العالم. وتشكّل 1.3% من الشركات المدرجة عالمياً، و2.4% من الشركات المدرجة في أوروبا. ينوّع الجهاز باقته الاستثمارية، فيستثمر في ثلاث فئات من الأصول: 60% في الأسهم و35% في السندات و5% في العقارات. يضاف إلى ذلك تجربة صندوق التقاعد الكندي الذي يدير محفظة التقاعد بعقلية استثمارية مميزة جعلته يقوم بتنمية استثماراته بشكل ملحوظ للتجاوز 500 مليار دولار، في أقصى القارة الأسيوية نجد صندوق التقاعد الياباني أحد أكبر صناديق التقاعد في العالم، والذي يدير أصولا بأكثر من 1.45 تريليون دولار، والتجارب والأمثلة الناجحة عديدة حول العالم، حيث عندما يتم توحيد الاستراتيجية والرؤية والاستثمار يصبح من السهل إدارة تلك الأصول ورسم التحركات الاستثمارية بأفضل المعايير العالمية وبأقل درجات المخاطر. حقيقة، إن ما سبق يثير التساؤل والاستفسار، لماذا لا يتم دمج استثمارات هيئة التقاعد حيث تزيد استثمارات صناديق التقاعد عن 113 مليار ريال بما يزيد عن 31 مليار دولار وذلك وفقا لآخر احصائيات صادرة في العام 2021 مع العلم أن 99.4 بالمئة من تلك الاستثمارات هي داخل الدولة، مع استثمارات جهاز قطر للاستثمار والتي تزيد عن 475 مليار دولار أمريكي وذلك وفقا لتقديرات صادرة عن معهد دراسة الصناديق السيادية في العالم، لإنتاج كيان ذي أصول واستثمارات أكبر، وقدرة على التحرك الاستثماري سريعا، خاصة أن دولة قطر أضحت تمتلك الخبرة الاستثمارية عالية الجودة مع علامة الامتياز والثقة العالمية في جهاز قطر للاستثمار القطري والذي أكد نجاحه في أن يكون في المركز التاسع عالميا ضمن قائمة فيها 100 صندوق وجهاز استثماري وتقاعدي من أكبر الصناديق والأجهزة العالمية. كلمة الختام كلما كان الكيان التقاعدي مُشكَّلاً برؤية استثمارية وبأصول عالية القيمة والجودة، فإن العيش الكريم للمتقاعد مكفول وبعائد مجزٍ له ولأبنائه من بعده.