كان المكسيكيون القدامى يعتقدون، بل ويؤمنون، أنه لابد من تقديم الأضاحي البشرية كل يوم للآلهة حتى يضمنوا شروق الشمس، وكانت الأضاحي البشرية تعامل لفترة من الزمن كآلهة ثم يصبغون باللون الأزرق ليصبحوا من أهل السماء ثم يقتلون ببساطة وذلك بانتزاع قلوبهم، تقرباً إلى الآلهة.
حقيقة دون الدخول في فقه الفشل الثقافي لتلك الحقبة وهي في عام 1521 ميلادي أو الدوافع السياسية والاجتماعية التي خلقت ذلك الفكر السقيم، إلا أنني أرى من وراء القصد بعداً اقتصاديا واضحاً، إذ إن وجود هذه الخرافات لدى تلك الشعوب هو الذي عزز السلطة السياسية والدينية لدى الطبقة الحاكمة وأعطتهم الحق في اتخاذ الفرات وقمع العامة من الناس وبالتالي الاستفراد بالثروة والسلطة في آن معاً. أما الشاهد الثاني فله علاقة بالدورة الطبيعية لحياة الاقتصاد وذلك بتشبيهها بمرحلة النمو والزهو ومن ثم طليها باللون الأزرق لتكون بعدها النهاية، وذلك ما حدث في عام 1928 و1998 و2008 ميلادي على التوالي حيث يصل الاقتصاد العالمي إلى أفضل أشكاله حتى يصبح أزرق ويسقط، ووصولا إلى أزمة النفط عام 2015، وللوقوف على هذا المعنى فإن ما يحدث في المؤسسات الاقتصادية الكبيرة أو مسؤولي الاقتصاد العالمي هو إيجاد بعض الخرافات والتي تتناسب مع العصر الحالي، فلن يصدق أحد أن الشمس لن تشرق إذا لم نضحِ بنزع قلب إنسان ولكن سيصدق الجميع أن الاقتصاد العالمي سينهار إذا لم نقتل آلاف البشر في هذه البقعة أو تلك وأيضاً في نفس السياق تصبغ المدن باللون الأزرق قبل انتزاع قلوب أبنائها، والمعنى وراء أزرق المدن لا يختلف كثيرا عن أزرق المكسيكيين القدامى.
ويبقى الهدف هو خلق الأسباب وبناء المسببات لإقناع الجميع أن هذا هو الصالح العام حتى يقتنع الضحية أنه من الأفضل له أن يكون أزرق وينتزع قلبه لتستمر الحياة.
ولكن الحق والثابت والمرئي والمقروء من التاريخ أن مثل هذه الثقافات تزول بسرعة ولا تبني اقتصادا ولا ثقافة ولا تاريخ وبه نعود إلى أصل الحكاية التي بدأنا فيها، فهم نفسهم أولئك المدافعون عن الشمس والأشداء وأصحاب القلوب الصلبة الذين صبغوا معابدهم بطبقات سميكة من دم الضحايا استسلموا دون قتال يذكر للغزاة المحتلين الإسبان بعدما تم الإمساك بقائدهم والذي أمرهم بالاستسلام فخروا ساجدين، ذلك أنه لم يكن لديهم قضية أو مبدأ ولكن تبعية عمياء، وهذا روح ما يحصل في المؤسسات الكبيرة خاصة كانت أم حكومية، فالولاء لا يكون بدعم القرارات المالية والإدارية بغض النظر عن صلاحيتها ولكن الولاء الحق هو بقوام الرأي وموضوعية الحوار ووحدة وشمولية المصلحة ومسؤولية الكلمة، وعسى ألا نكون يوماً نحن ولا مؤسساتنا ولا أوطاننا بالأزرق، هذه تحية وإلى لقاء.